التمويل المناخي للبلدان النامية

22:13 مساء
قراءة 3 دقائق

جون كيمب *

انخفضت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي بنسبة 35% العام الماضي لتصل إلى تريليون دولار بعد أن بلغت 5.1 تريليون دولار في عام 2019.

وأدت عمليات الإغلاق في جميع أنحاء العالم من أجل التصدي لجائحة «كوفيد- 19» إلى إبطاء المشاريع الاستثمارية القائمة، ودفعت آفاق الركود الشركات المتعددة الجنسيات إلى إعادة تقييم مشاريعها الجديدة.

وتراجع الاستثمار الأجنبي المباشر داخل الاقتصادات المتقدمة بنسبة 58%، ويرجع ذلك جزئياً إلى إعادة هيكلة الشركات والتدفقات المالية داخلها. أما في الاقتصادات النامية، فقد انخفض هذا الاستثمار بنسبة أكثر اعتدالاً وصلت إلى 8%، مما يؤكد صمود التدفقات في آسيا على وجه الخصوص. ونتيجة لذلك، شكلت الاقتصادات النامية ثلثي الاستثمار الأجنبي المباشر بعد أن كانت تستأثر بأقل بقليل من النصف في عام 2019.

ومن هذه الاستثمارات برز سوق التمويل المناخي، في وقت تهدد فيه مخاطر تغير المناخ العالم. إذ يقدر مجموع الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الكوارث الطبيعية على مستوى العالم ب 190 مليار دولار عام 2019. وعلى الرغم من الالتزام السياسي رفيع المستوى بين الحين والآخر، تبقى المساعدات المالية المقدمة من الاقتصادات الضخمة لنظرائها في الدول النامية قليلة نسبياً، وبالكاد تعينها على خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، أو التكيف مع تغير المناخ.

وتشير التحليلات إلى وجود عدم توافق كبير بين حجم نظام الطاقة المراد تحويله من قبل صانعي السياسات وبين التمويل المحدود المقدم لتحقيق ذلك. وما لم يتم تضييق الفجوة بين الطموح والموارد، ستستمر الانبعاثات العالمية في الارتفاع، وسيكون هدف صافي الصفر بحلول عام 2050 بعيد المنال كلما تقدمنا أكثر في غضون السنوات القليلة المقبلة.

في عام 2009، خلصت قمة المناخ في كوبنهاجن على أن تُمول الدول المتقدمة نظيرتها النامية ب 100 مليار دولار «سنوياً» لدعم جهودها في مكافحة التغير المناخي حتى عام 2020. ولكن، وبحسب التقرير السنوي عن تمويل المناخ لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، منحت البلدان المتقدمة حوالي 80 مليار دولار من المساعدات لخفض الانبعاثات لدى الدول النامية في عام 2019. وجاءت النسبة الأكبر منها من بنوك التنمية متعددة الأطراف (30 مليار دولار)، والمساعدات الحكومية الثنائية (29 مليار دولار)، والقطاع الخاص (14 مليار دولار)، إضافة إلى مبالغ أصغر من صناديق المناخ وائتمانات التصدير.

وتعتبر هذه المساعدة المالية متواضعة نسبياً مقارنة مع «1540 مليار دولار» من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر من جميع الأنواع تم الإبلاغ عنها في عام 2019، بما في ذلك 685 مليار دولار إلى البلدان النامية. كما تعد جزءاً يسيراً كذلك من «1900 مليار دولار» تم استثمارها في أنظمة الطاقة حول العالم في العام ذاته، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية.

وفي السياق ذاته، التزمت البلدان المتقدمة بتقديم ما يعادل 16 دولاراً فقط للفرد سنوياً لمساعدة العالم النامي على التخفيف من تبعات تغير المناخ والتكيف معه، ومع ذلك، وفّرت 12 دولاراً فقط للفرد في عام 2019.

وعليه، فإن التمويل الذي التزمت به البلدان المتقدمة لم يكن كافياً لتحويل أنظمة الطاقة في البلدان النامية، وتحقيق انبعاثات صافية صفرية، وتوفير الوصول إلى خدمات الطاقة الحديثة للجميع.

وهذه الأرقام المقدمة بعيدة جداً عن مئات المليارات من الدولارات التي ستكون مطلوبة بلا شك لاستبدال أنواع وقود الطهي والتدفئة التقليدية مثل الخشب والفحم والكيروسين، ببدائل حديثة أنظف بحلول عام 2030، وهو أحد أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة. بل هي أبعد ما تكون عن المبالغ المطلوبة لتحويل قطاع النقل من الاعتماد على محركات الاحتراق الداخلي إلى المركبات الكهربائية وخدمات الطاقة الأخرى، وفي نفس الوقت إزالة الكربون من آلية توليد الكهرباء، عن طريق استبدال احتراق الفحم والغاز ببدائل مستدامة كالرياح والطاقة الشمسية والطاقة المائية والنووية.

اليوم، ومع قلة التمويل الحاصل من الاقتصادات المتقدمة، سيتعين على البلدان النامية الاعتماد على مواردها الخاصة لتمويل معظم الاستثمارات المتعلقة بالمناخ، وبالتالي سيتعين عليها الصراع مع عدد لا يحصى من الأولويات الأخرى لديها.

وضع كبار صانعي السياسات من أوروبا وأمريكا الشمالية خططاً طموحة للحد من الانبعاثات في الداخل والخارج، لكنهم في المقابل يقدمون القليل من المساعدة المالية أو التقنية لدعم هذه الخطط والعمل على إنجاحها في الاقتصادات الناشئة سريعة النمو والتي من المتوقع أن تضم في أرجائها أكبر معدلات ارتفاع للانبعاثات العالمية في المستقبل.

* محلل الأسواق في «رويترز»

عن الكاتب

محلل الأسواق في «رويترز»

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"