الحصار بالخوف

00:23 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمود حسونة

عندما يكون الخوف قدَر الإنسان، والقلق ظلّه، وانعدام الإحساس بالأمان مصيره، تتحول الحياة إلى جحيم، ولا تتجاوز الدنيا كونها محطة للعذاب، ويفقد الإنسان قدرته على الحلم والأمل في غد أفضل، بل يصبح هاجسه لقمة العيش ودار الأمان التي يمكن أن يعبر للبحث عنها بحاراً، ومحيطات، وصحارى بلا طرق ولا معالم، من دون أن يخشى الغرق، ولا التيه، ولا الموت، أو يسعى للإقامة على أبواب مطار أملاً في طائرة «يتشعبط» فيها ذهاباً للموت بإرادته، أو نفق مظلم يهرب فيه من الوحوش البشرية، أو مجهول يسافر إليه مخلفاً وراءه وطنه وأهله وناسه ومتاعه وأحلامه التي أجهضها تجار السياسة وصناع الفتنة ومخربو الأوطان، وأحياناً يكون ملجأه جماعة عنف، أو إرهاب، أو عصابة إجرام ينتمي إليها لينتقم من الجميع من دون تمييز بين بريء ومذنب.

الخوف لم يعد هاجساً لدى بعض الأفراد فقط، ولكنه أصبح يظلل حياة شعوب وأمم، بعدما أصبح الفساد السياسي قدَر دول، ما ينعكس بحالات من عدم الاستقرار وموجات من الهجرة، وبعد أن شهدت البشرية أوبئة تلاحق الإنسان، وفيروسات غير مرئية تهدد حياته وتجبره على الانعزال، وبعد أن انتشرت في بقاع مختلفة حول العالم جماعات لا تؤمن سوى بذاتها، ترفض الآخر وتستبيح دمه وماله وعرضه، وهي جماعات تنتمي إلى كل الديانات ومختلف الأعراق، وبعد أن تجاوز السلاح كونه وسيلة دفاع ليصبح أداة إبادة.

اليوم نشاهد على التلفاز وفي نشرات الأخبار شعوباً تحاول الهرب من أوطانها التي تحولت إلى أوطان للخوف والجوع والضياع، مطارات مكتظة بالناس الذين يحلمون بالهجرة والخروج من قلب النار. وشاهدنا خلال الخروج الكبير للأمريكيين والأطلسيين من أفغانستان مشاهد فرار المرء من أخيه، وصاحبته، وبنيه، بعد أن أصبح لكل منهم شأن يغنيه.

وشاهدنا في مطار بيروت زحاماً غير مألوف لشباب وكبار يهجرون الوطن بعد أن ضاق بأهله، وأصبح جحيماً على شعبه، بعد أن كان جنة لكل العرب. وشاهدنا الخوف في عيون اليمنيين وهم يهربون من التوحش الحوثي وإعداماته المتتالية للناس، وآخرها إعدام تسعة أشخاص بينهم قاصر، بلا أي رأفة ولا رحمة.

وشاهدنا موجات وموجات من هجرة السوريين هروباً من وطن أرادت الحسابات والتوازنات الدولية والإقليمية له الضياع. وشاهدنا من السوريين أطفالاً ونساء تبتلعهم البحار والمحيطات والمجتمع الدولي يستخدمهم مجرد ورقة في ألاعيبه الدبلوماسية.

وشاهدنا الليبيين وهم يهجرون أرض النفط والثروة هرباً في قلب الصحراء، أو ارتماء في أحضان جماعات مصالح تسعى لهدم الوطن. كما هرب العديد من الشباب من الفقر في دول إفريقية مختلفة عبر قوارب الموت المتهالكة إلى أوروبا الحلم لتبتلعهم الأسماك، خرجوا من بيوتهم بعد أن استدانوا ثمن الرحلة التي لم تكتمل ليتحول الأمل الذي يتحركون به إلى كابوس لأهلهم بعد تلقيهم الأخبار المفجعة.

تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول قبل 20 عاماً نشرت الخوف عالمياً من قوى التطرف التي اخترقت إجراءات الأمن في أقوى دول الأرض، وخلقت إحساساً بأن يد الإرهاب طويلة تمتد إلى المواقع والدول المحصنة، وفي مواجهة ذلك كان نشر الولايات المتحدة للخوف المضاد في الدول الإسلامية، وتحركت الجيوش والأساطيل، وأقلعت الطائرات، وأطلقت الصواريخ لتأديب ليس الإرهابيين فقط، ولكن الجغرافيا التي ينتمون إليها، واختلط الحابل بالنابل وامتلأت القلوب رعباً، وهو الرعب الذي لم تنته توابعه حتى اليوم.

الكوكب أصبح محكوماً بالصراعات والحروب والأوبئة والكوارث والانفجارات والحوادث والاغتيالات والهجرات الشرعية وغير الشرعية، ورائحة الفساد زكمت الأنوف، وبدلاً من أن تكون التكنولوجيا أداة سلام ورفاهية حوّلها البعض إلى أداة لنشر القلق وفضح الخصوصيات، والنتيجة أننا أصبحنا نعيش في عالم يحاصره الخوف وتحيط به الشبهات من كل جانب، ولن نستطيع أن أن نتخلص من هواجسنا إلا بالتخلي عن الأطماع، وتشابك الأيدي في مواجهة كل ما، ومن يخلق الخوف، أو ينشره، أو حتى يروّج له.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"