يتفق أكثر المؤرخين والشراح على أن محاورة «ثياتيتوس» قد كتبت بعد وفاة سقراط بنحو 30 عاماً أي نحو سنة 396 قبل الميلاد، وسميت المحاورة باسم ثياتيتوس العالم الرياضي الذي ظهر في هذه المحاورة مع سقراط، أما راوي المحاورة فهو إقليدس، أكبر تلاميذ سقراط سنّاً.
يناقش الكتاب أيضاً فلسفة التغير والصيرورة الدائمة المستمدة من هيرقليطس، وتتفق إلى حد كبير مع موقف بروتاجوراس، وبعد أن يبين أفلاطون استحالة التسليم المطلق بهذه الآراء، يشير بطرف خفي إلى ضرورة افتراض المثل العقلية، ويقدم محاولتين أخريين في تعريف العلم، الأولى قوله إن العلم هو الظن الصادق، والثانية قوله إن العلم هو الظن الصادق المؤيد بالبرهان العقلي، غير أن هذين التعريفين يفشلان بدورهما لعدم إمكانية الوصول إلى معيار محدد لصدق الأحكام أو الظنون.
عصور الفن
ومن الواضح أن أفلاطون قد اتخذ في اعتباره ابتداء من هذه المحاورات كثيراً من القضايا الفكرية التي لم تكن واضحة في المحاورات السابقة والتي اكتملت في المحاورات التالية، وأول ما يلاحظ هنا أن المعرفة اليقينية عند أفلاطون، لم يعد يفسر بأنه الركون إلى تأمل الحقائق العليا الخالدة الأزلية، بقدر ما أصبح محاولة وجهداً لتعقل العلاقات القائمة بين هذه الحقائق.
ويتضمن الكتاب عملين من أشهر أعمال أفلاطون، هما محاورتا ثياتيتوس وفايدروس، الأولى خصصها أفلاطون للعلم، والثانية للجمال، وثياتيتوس عبارة عن حوار بينه وبين سقراط وإقليدس وتيودوروس وجلّ هؤلاء فلاسفة وعلماء، فثياتيتوس الذي ولد عام 415 قبل الميلاد كان فلكياً وفيلسوفاً، وهو مخترع نظرية الأطوال غير المتناظرة في الهندسة، وقد مات في ساحة المعركة، ما جعل أفلاطون يفكر في تخليد ذكراه، فسمى بطل المحاورة باسمه، وقد ألّفها أفلاطون من أجل تفنيد آراء بعض الفلاسفة الآخرين في إشكال ماهية العلم، والمقصود هنا بالعلم المعرفة لا العلم بمعناه الأكاديمي. وانتقد بروتاجوراس القائل إن الحقيقة توجد في عالم المحسوسات فقط، كما انتقد نظريات أخرى بحجج منطقية، أما بالنسبة إلى فايدروس فقد يندهش قارئ هذه المحاورة أن يجد أفلاطون الفيلسوف عدو الشعر، وناقد هوميروس الذي أدانه في محاورة الجمهورية وغيرها، شاعراً فناناً، تسربت روح الفن والإلهام إلى نفسه، وتخللت ثنايا فلسفته.