العالم بلا ميركل

00:30 صباحا
قراءة دقيقتين

فيصل عابدون

لعله من نافلة القول إن الميراث الذي تتركه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وراءها، يبقى تراثاً عالمياً بامتياز، وليس تاريخاً يخص الألمان وحدهم؛ إذ إنه مع الفارق في النوع والاتجاه فقد كان حجم تأثيراتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية يتفوق كثيراً على ما خلّفه الزعيم النازي أدولف هتلر للعالم، ولكن بشكل إيجابي.

صحيح أن قوة ألمانيا العالمية تعاظمت كثيراً خلال عهدها في الحكم، وأصبح الاتحاد الأوروبي أقوى نفوذاً؛ بل إنه تقدم ليحتل المرتبة الثالثة في قائمة القوى الأعظم سياسياً بعد الولايات المتحدة والصين، لكن الصحيح أيضاً أن السيدة ميركل قدمت دروساً للعالم كله في فنون القيادة والحكم، وإدارة السلطة، وتدوير الملفات الصعبة والمضي بها إلى الأمام.

شهدت المستشارة ميركل أعظم انتصارات الأمة الألمانية وهي تقف إلى جانب المستشار السابق هيلموت كول في تلك اللحظة التاريخية، وهي تشاهد انهيار حائط برلين، وعودة الوحدة بين شطري ألمانيا الشرقي والغربي. وربما منذ تلك اللحظة انغرس في ضمير ميركل أنها مكلفة بالمحافظة على قوة هذه الأمة ووحدتها، وإعادة بنائها على أساسات مبادئ السلام العالمي والأمن والتعاون بين الدول والشعوب.

حفلت المرحلة «الميركلية» على مستوى السياسة الداخلية الألمانية والسياسة الدولية بالعديد من الإنجازات الكبيرة، وكانت شخصية هذه السيدة الفذة تتألق، خاصة وسط الأزمات الصعبة التي تدفع غيرها من القادة والزعماء إلى انتهاج أسلوب التردد، أو السياسات المتطرفة.

وشخصية ميركل كما يصفها المحللون والصحفيون ونظراؤها في المسرح السياسي، هي مزيج من الصرامة والقوة والتصميم والالتزام الأخلاقي. وقد اكتسبت السياسة في عهدها تعريفاً جديداً مفارقاً للتعريف التقليدي الذي يضع المصلحة الشخصية والوطنية في مقابل الأخلاق.

وقد أبرزت مأساة المهاجرين هذا الجانب من شخصية ميركل، عندما صممت ألمانيا على استقبال الآف المهاجرين، وأجبرت بقية قادة الدول الأوروبية على الموافقة على نظام الحصص، وأثبتت الأيام بعد ذلك صحة موقف المستشارة وبُعد نظرها، وأثنى العالم ولا يزال على موقفها الإنساني المتميز في هذه القضية التي هزت ضمير العالم.

وخلال السنوات ال16 الماضية، واجهت بحاراً صاخبة من الأزمات الدولية، مثل تداعيات الأزمة المالية العالمية عام 2007، وأزمة اليورو واليونان، والاضطرابات التي رافقت أحداث ما يسمى «الربيع العربي»، والصراعات الدموية في ليبيا وسوريا واليمن، وأزمة أوكرانيا، وأزمة اللاجئين، وتفشي الشعبوية، والخلافات مع حكومة الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب، إضافة إلى الأزمة الناجمة عن تفشي وباء كورونا.

ويقول الرئيس السابق للمفوضية الأوروبية جان كلود يونكر في معرض ثنائه على قدراتها الشخصية وأدائها السياسي، إنه يُقدِّرها بصفتها عملاً فنياً متكاملاً، «لأنها تتشكل من أجزاء كثيرة»، مضيفاً أنها خلال 16 عاماً «فعلت الكثير من الأشياء بشكل صحيح، ولم ترتكب أخطاء ذات شأن».

تغادر ميركل منصب المستشارية الألمانية بعدما انسحبت قبل ذلك من رئاسة حزبها المسيحي الديمقراطي الحاكم، وقد كان بمقدورها الفوز بولاية جديدة خامسة والبقاء في سدة السلطة استناداً إلى شعبيتها الجارفة، وهي بذلك تقدّم درسها الأخير للقادة والزعماء.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"