آفاق التحالف الأمريكي – الياباني

00:54 صباحا
قراءة 3 دقائق

الحسين الزاوي

تشهد العلاقات الأمريكية - الصينية منذ مطلع الألفية الجديدة تحولات مهمة ستكون لها تأثيرات كبيرة على المستويين الدولي والإقليمي، بالنظر إلى القوة الاقتصادية والتكنولوجية للبلدين؛ وقد بدأ التحالف بين الجانبين يتطوّر بشكل متصاعد مباشرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بعد تخلي الإمبراطورية اليابانية عن طموحاتها الاستعمارية في محيطها الجيوسياسي.

ومن الواضح أن المصالح والتحديات المشتركة تدفع طوكيو إلى ترسيخ شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن لمواجهة الصين التي أصبحت تمثل التحدي الأبرز للدول الكبرى في المنطقة وعلى رأسها الهند واليابان؛ وذلك بعد تراجع التهديد الروسي.

ويشير الباحث «هيرفي كوراف» إلى أن الشراكة بين واشنطن وطوكيو تجاوزت في المرحلة الراهنة السياق التقليدي للتعاون بين الدول، ولم تعد تمثل غاية في حد ذاتها، وبدأ هذا التعاون يأخذ - تدريجياً- مساراً أكثر قوة اعتماداً على الحسابات الجيوسياسية للعاصمتين؛ وذلك من أجل تحقيق الاستقرار الإقليمي، ولمواجهة الأزمات والتحديات التي يفرضها ظهور الفاعلين الجدد الذين يملكون أجندات مستقلة عن القوى التقليدية الكبرى؛ الأمر الذي أوجد وضعية غير مسبوقة من التنافس الشرس بين مختلف الأطراف، بخاصة وأن اليابان تتواجد في منطقة جغرافية شديدة التعقيد، وهو ما يؤكد صحة مقولة نابليون الأول الذي أكد أن سياسة كل القوى تنطلق من جغرافيتها.

وتذهب مختلف التحليلات المتعلقة بالتحالف بين اليابان والولايات المتحدة إلى أن اتفاقية الشراكة التي جرت صياغتها منذ الخمسينات من القرن الماضي، خضعت لتعديلات متواصلة أخذت في الحسبان التحولات الجيوسياسية في أقصى شرق آسيا من جهة والتطورات التي شهدتها موازين القوى في العالم من جهة أخرى؛ وشملت تلك التعديلات خلال العقدين الأخيرين المجالات الأمنية والعسكرية، بعد إعلان طوكيو عن رغبتها في أن تحقق استقلالية أكبر عن الحليف الأمريكي في مجال الدفاع والصناعات العسكرية لكي تستعيد بشكل كامل سيادتها ولتعتمد بالتالي بشكل أكبر على قدراتها الذاتية من أجل ضمان أمنها وللدفاع عن مصالحها في محيطها الإقليمي، لاسيما بعد تجربة حكم ترامب التي تعرّض فيها حلفاء واشنطن للابتزاز المفضوح بشأن توفير الحماية العسكرية لهم.

وتجدر الإشارة إلى أن النسخة الحالية لاتفاقية التحالف بين البلدين تم نشرها في إبريل/ نيسان 2015 وحرص الجانبان في بنودها على تحديد الخطوط الرئيسية لشراكتهما التي تحوّلت من شراكة إقليمية إلى شراكة عالمية، بحيث لم يعد الأمر يتعلق فقط بحماية اليابان، ولكن أيضاً بمساهمة طوكيو في حماية أمريكا والدفاع عن مصالحها؛ وذلك يفسح المجال واسعاً لليابان للخروج من عزلتها ويسمح لها بإمكانية نقل قواتها العسكرية خارج محيطها الجغرافي في شرق آسيا، وهي المسألة التي ركّز عليها الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما عندما قال في إبريل 2015، إن الولايات المتحدة الأمريكية واليابان ليسا فقط حليفين ولكنهما أيضاً يعدان شريكين كاملين.

ويمكن القول بناءً على ما تقدم، إن إدارة بايدن تعي جيداً أن مسرح المواجهة الرئيسي مع الصين يوجد في آسيا، ومن الصعب على دولة لا تملك ثقافة السلوك والعمل الآسيوي أن تنتصر على المدى البعيد على دولة بحجم الصين، وهذا ما يجعل التحالف مع الدول الآسيوية وفي مقدمها اليابان يكتسي أهمية استراتيجية عظمى، والشيء نفسه يمكن أن يقال عن اليابان التي ترى أنه من الصعب التصدي بشكل منفرد للعملاق الصيني من دون دعم غربي وأمريكي في المقام الأول، في سياق شراكة متوازنة تخدم الطرفين وتسمح بوقف الهيمنة الكاملة للصين على منطقة شرق آسيا.

بيد أنه وعلى الرغم من أهمية هذه الشراكة الأمريكية – اليابانية فإن هناك تفاصيل عديدة يدخل فيها الشيطان، يمكنها أن تُفشل مساعي واشنطن لتوحيد جهود حلفائها الآسيويين من أجل مواجهة الصين وللمحافظة على زعامتها العالم، وتمثل الصراعات التاريخية بين الدول الآسيوية أبرز هذه التفاصيل، وبخاصة وأن دولاً مثل كوريا الجنوبية لا تريد أن تتحوّل اليابان إلى قوة عسكرية كبرى في أقصى شرق آسيا، لأن مآسي الاستعمار الياباني في آسيا ما تزال تؤرِّق ذاكرة شعوب المنطقة.

[email protected]

عن الكاتب

أستاذ الفلسفة في جامعة وهران الجزائرية، باحث ومترجم ومهتم بالشأن السياسي، له العديد من الأبحاث المنشورة في المجلات والدوريات الفكرية، ويمتلك مؤلفات شخصية فضلا عن مساهمته في تأليف العديد من الكتب الجماعية الصادرة في الجزائر ومصر ولبنان

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"