أنجيلا.. «ملكة» ألمانيا

00:44 صباحا
قراءة 3 دقائق

كمال بالهادي

ستة عشر عاماً كانت كافية لتكتب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، اسمها لا فقط في تاريخ ألمانيا؛ بل في تاريخ الإنسانية عامة، كامرأة استطاعت أن تقود بلدها إلى قمم التفوق والمجد. ميركل هي مثال حي لما يمكن أن تُبدعه المرأة، عندما تفتح أمامها أبواب السياسة وعندما تزاح من أمامها «الخطوط الحمراء» التي تكبل طاقاتها. فهي لم تفرض المساواة السياسية فقط في ألمانيا؛ بل إنها استطاعت أن تثبت قدرة المرأة على التفوق على الرجل في المجال الذي يعتبره حكراً عليه ومن اختصاصاته المطلقة.

لقد أسقطت هذه «المرأة الحديدية» كل تلك التمثلات والآراء المسبقة عن قدرة المرأة الجسدية والذهنية على تحمل أعباء السياسة. وها هي ميركل قد فعلتها، تحملت لمدة 16 سنة ضغوط قيادة بلد بحجم ألمانيا، بتعداد سكاني يتجاوز 83 مليون شخص وباقتصاد هو الأول على المستوى الأوروبي، ولكن تلك المرأة التي لا يعرف لها حضور إعلامي قوي، كانت تجسد عمل «الماكينة» الألمانية التي فرضت نفسها في كل المجالات.

صحيح أن التاريخ الألماني المعاصر سجل اسم أدولف هتلر كأحد أبشع حكام العصر الحديث، والذي تسبب في كارثة إنسانية أدت إلى هلاك أكثر من 50 مليون شخص في ظرف ست سنوات فقط هي مدة الحرب العالمية الثانية. ولكن ألمانيا لن تعرف بعد هتلر إلا برمز سياسي نسائي هو ميركل التي صنعت السلام وسعت بكل قوتها إلى تجنيب تورط ألمانيا في حروب الغرب التي لا تنتهي.

استطاعت ألمانيا أن تقف في وجه أمريكا، وأن ترفض مجاراتها في عدد من خياراتها العسكرية؛ بل إن ألمانيا في عهد ميركل فتحت أبوابها للمهاجرين واللاجئين خاصة في سنة 2015، عندما زحفوا إليها من سوريا سيراً على الأقدام في أضخم عملية هجرة جماعية شهدها العالم المعاصر. وعندما كانت دول أوروبا التي تتشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان تغلق حدودها أمام اللاجئين وترفع الأسوار الإلكترونية لتمنع دخولهم إليها، كانت ألمانيا تقوم بفتح أبوابها أمام مئات الآلاف منهم ليستقروا في أراضيها، ولتتم بعد ذلك عملية دمجهم في المجتمع الألماني. وعندما تغادر ميركل القصر الحكومي في برلين، ستترك وراءها اقتصاداً نامياً، بنسبة نمو في حدود 3%، فيما المعدل العالمي لا يتجاوز اثنين في المئة، في أفضل الحالات. النجاحات الداخلية لا تخفي دور المرأة على المستوى الأوروبي خاصة، فقد كانت الصوت العقلاني في خيمة بروكسل، وهي التي كانت لها الكلمة الفصل في كثير من القضايا الأوروبية.

من الثابت أن أوروبا ستخسر بخروج ميركل، امرأة قوية استطاعت أن تحافظ على مؤسسات الاتحاد، وأن تتدخل في إنقاذ دول مثل اليونان وتمنع إيطاليا من الحذو حذو بريطانيا عندما تعالت في روما مطالبة بالخروج من مؤسسة الاتحاد الأوروبي. ولكن العالم سيخسر أيضاً امرأة كانت تسعى إلى تعزيز التعاون المشترك وتعزيز التنمية الاقتصادية في العالم، بدل السير في نهج الحروب التي يخيرها جزء مهم من مكونات الثقافة الغربية.

لا جدال في أن ميركل «الفيزيائية»، هي نتيجة للفلسفة الألمانية بمدارسها المختلفة، وهي نتيجة للعقلانية التي وضع أسسها كانط ونيتشه وماركس وأنجلز وغيرهم، ممن وضعوا أسس الثقافة الغربية المعاصرة. ففي قيادتها لألمانيا الاتحاد من 2005 إلى 2021، يمكن القول إن ميركل كانت مثالاً يحتذى لفن القيادة، وللعقلانية السياسية.

وضوح الرؤية والتخطيط المسبق على أسس منهجية قويمة، هي مقومات النجاح التي ضمنت لأنجيلا ميركل أن تتوج ملكة في قلوب مواطنيها الألمان؛ بل إن أولئك الذين لجأوا إليها فراراً من الحرب والجوع سيرون فيها تلك الملكة «التي لا يظلم عندها أحد». سمعت أحد السياسيين لدينا يكرر قولة «السياسة تهري»، بمعنى أنها تفقد الزعيم والحزب الشعبية العارمة التي حصلا عليها في الانتخابات، هذا صحيح لأنهم زعماء فاشلون لفظهم الواقع وسينساهم التاريخ، أما ميركل فستظل ملكة في عيون شعبها.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"