قراءة في اختلال الأنظمة الديمقراطية

00:19 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. نسيم الخوري

يبدو المِلحُ الأساسي الذي يغذّي الشعوب والحركات الاجتماعية الناهضة والرافضة والمسكونة بنقد الحكومات والتظاهر وشعارات التغيير المتقاربة ذي طعم عالمي مغرٍ ومثير للأحاديث والأبحاث الجدلية الشائعة. تبدو الديمقراطية، وفقاً لهذه الفرضية، مفهوماً خرج من أطره النظرية الأولى مع آباء الفكر للثورة الفرنسية؛ بل صار هدفاً معاصراً خاضعاً لأمزجة الجماهير بما يفرغه من صلاحيته ومضامينه وتجاربه القديمة. قد لا تكون العلة سوى في تشويه الديمقراطيات ومعضلاتها بتجارب ما عادت تداوي ملل الناس ورفضها سوى بالنقد والنزول إلى الشوارع والعنف. تلك ظاهرة كونية في القناعات والقيم وحتى في الهويات العامة الوطنية التي بدت دون الهويات الفردية والعالمية المكتسبة والتي يصعب تحديد آثارها في الانتخابات المتنوعة والأنظمة المتعددة.

تسحبنا هذه التحولات إلى الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي أوصلت جو بايدن إلى البيت الأبيض وكأنه المقيم مع سلفه دونالد ترامب في الصحافة ورصد مزاج الرأي العام الأمريكي المنتظر. وبصرف النظر عن الفروق في شكل الحكم والأسلوب بين الرجلين، فإن رياح إعلامية أخرى لا تُفرّق بينهما من حيث الخطوات أو السياسات المستمرة وراء شعار«أمريكا أولاً» وخصوصاً بعد انسحاب أمريكا بايدن من أفغانستان والتي انتقدها العسكر على الملأ. يُنظّر لهذا الانسحاب وكأنه لم يحصل بهدف الإيحاء بملامح المستقبل الغامض الحافل بالحقائق والخيالات التي تصب قطعاً في استراتيجيات التصدي للصين. وما نسف صفقة الغواصات الفرنسية لأستراليا التي هزّت العلاقات الفرنسية- الأمريكية-البريطانية سوى القوطبة الأمريكية لضرورة استبدالها بغواصات دفع نووي تصب في مستلزمات منعة التصدي الأسترالي للصين.

يمكن الانسحاب أيضاً نحو حكم ألمانيا موطن المقولة الثابتة في التفريق جذرياً بين العقلين الأمريكي والألماني في اتخاذ القرارات. يبدو الألماني مطبوعاً بثقافة إقفال الأبواب والدراسة والتمحيص قبل اتخاذ القرار. تلك ثقافة خاصة فرزها التاريخ الألماني المحافظ وفي سريته الذي دفع ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية أن تُقفل أبوابها وتُفكّك أسباب هزيمتها ونتائجها للخروج بصورة صلبة مجدداً نحو العالم.

يفترق العقل الأمريكي عن الألماني، في إدارة الأشياء؛ حيث تظهر الأبواب والنوافذ المشرّعة منها تتدفق ملامح «العظمة» في الشكل ولو أنها تخفي في الخزائن استراتيجيات كبرى.

يبرز نوع من التراجع والهبوط؛ بل الاهتزاز في صورة الحكم القادم في ألمانيا، بعدما خرجت أنجيلا ميركل المعروفة شعبياً، ب«الماما» و «المرأة الحديدية» بعد ستة عشر من سدتها (26/10/2020) و30 عاماً في معترك حياتها السياسية الحافلة بأرقى الصور وأكثرها تواضعاً وصلابة وزهواً، وكأنها تذهب فتترك وراءها غموضاً إن لم نقل تراجعاً وفراغاً كثيفاً يصعب ملؤه بين أحزاب الاشتراكيين الديمقراطيين والمحافظين والخضر، الأمر الذي قد يتطلب ربما إجراء مفاوضات مطولة لتشكيل الائتلاف الذي سيحكم البلاد بين حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الديمقراطي الاشتراكي وحزب الخضر، حتى ولو أن ذلك فاقم من شلل الاتحاد الأوروبي حتى بدايات عام 2022.

تمكنت ميركل في عام 2008 من انتشال ألمانيا من أسوأ الأزمات الاقتصادية والمالية التي عرفها العالم في عقود، وأنقذت اليورو والمشروع الأوروبي برمته بعد الانهيار اليوناني، وكان لها الدور البارز في مجابهة كورونا وتداعياتها من كوارث الإغلاق. تستحق ميركل، في ما نحن فيه من التحوّلات في خيارات الشعوب، أن نستقبلها أمام الزاوية الثالثة من المثلث الذهبي في تاريخ قيادة ألمانيا العظيم التي بنى زاويتها الأولى مؤسس الإمبراطورية بسمارك وصانعها، ورفع زاويتها الثانية هلموت كول بتوحيد الألمانيتين؛ بحيث اندفعت ميركل من فوق جدار برلين المتهالك في ال1989، لتصبح زعيمة ألمانيا بعد وحدة الألمانيتين، كما في الاندفاع نحو بناء منظومة الوحدة الأوروبية التي لطالما وصمتها أمريكا وما زالت توصمها بالشيخوخة والانهيار.

لن يفتقد الألمان ميركل إذاً، بقدر ما قد تفتقدها القارة الأوروبية في لحظات حرجة مثل ابتعادها عن أمريكا واهتزاز حلف الأطلسي ليظهر إيمانويل ماكرون طامحاً لوراثة ميركل أوروبياً ليواجه أمريكا الخارجة باهتماماتها من أوروبا ومن الشرق الأوسط وبلاد شمالي إفريقيا. ويتطلع بالطبع إلى قيادة القارة الأوروبية وفكفكة عقدها حيال أمريكا، وكل ذلك مرهون بفوزه بولاية رئاسية ثانية في فرنسا في الانتخابات القادمة في إبريل/نيسان المقبل.

[email protected]

عن الكاتب

دكتوراه في العلوم الإنسانية، ودكتوراه في الإعلام السياسي ( جامعة السوربون) .. أستاذ العلوم السياسية والإعلامية في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية ومدير سابق لكلية الإعلام فيها.. له 27 مؤلفاً وعشرات الدراسات والمحاضرات..

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"