فرنسا والعُقْدة الجزائرية

00:22 صباحا
قراءة دقيقتين

مفتاح شعيب

لا تسير العلاقات بين فرنسا والجزائر على أحسن ما يرام؛ إذ ما يلبث أن يلوح في الأفق انفراج حتى يزيد التوتر المزمن بين البلدين، وتندلع أزمة أسوأ من سابقاتها، كما هو الحال راهناً بعد إعلان الجزائر استدعاء سفيرها من باريس مرتين للتشاور، الأولى بسبب تقليص التأشيرات، والثانية غضباً من تصريحات الرئيس إيمانويل ماكرون «غير المسؤولة»، ليتطور الاحتجاج إلى إغلاق الأجواء أمام الطائرات العسكرية الفرنسية ذات الصلة بعملية «برخان» في دول الساحل والصحراء.

التوتر المستمر يمثل «حالة عادية» في العلاقة بين فرنسا والجزائر؛ إذ لم يشهد البلدان أجواء سياسية صافية إلا في مناسبات محدودة ترافقت مع زيارات رسمية متبادلة على المستوى الرئاسي، وهي قليلة، مقارنة بالروابط الاقتصادية والثقافية والاجتماعية الوثيقة نسبياً.

ومع ذلك لم تفلح باريس والجزائر في تجاوز الماضي، وظلت مشاكل عديدة دون حل تعود جذورها إلى حرب الاستقلال التي خلفت ندوباً عميقة في الذاكرة الوطنية الجزائرية. وعلى مدى سنوات طويلة يطالب الجزائريون باعتذار فرنسي صريح عن جرائم الاستعمار والتجارب النووية، على الرغم من أن ماكرون وسلفه فرانسوا هولاند شجبا تلك الوقائع السوداء، وأبديا نوايا للاعتذار، لكن يبدو أن القرار ليس سهلاً في باريس، وهناك خشية من تداعيات قد تجلب المتاعب بالنظر إلى كثرة المستعمرات، ولكل واحدة قضايا عالقة ومطالب مختلفة.

ولا يختلف السياسيون في باريس على محورية الجزائر وأهمية العلاقة معها. ومنذ عهد شارل ديجول شكلت هذه البلاد عقدة لفرنسا بأتم معنى الكلمة، وفي كل مرة تكبر المشكلة، وربما هذه المرة الأولى التي تندلع فيها الأزمة بين رئيسين مباشرة، فإجراءات عبد المجيد تبون، جاءت رداً مباشراً على تصريح ماكرون الذي شكك في تاريخ الجزائر ونظامها السياسي، واستدعى ذلك أيضاً مواقف سياسية قوية وصلت إلى حد مطالبة «المنظمة الوطنية للمجاهدين» بمراجعة العلاقات القائمة بين الدولتين. وبالمقابل فإن اللهجة الفرنسية بدأت تميل إلى خفض التصعيد، وأعرب ماكرون عن ثقته بتبون، عارضاً «فحص تاريخ فرنسا مع الجزائر بتواضع واحترام».

خلف الأزمات الطويلة هناك مشتركات عديدة بين البلدين، وربما حانت اللحظة للحفاظ عليها وتخليصها من الشوائب، فباريس ليست في وارد التضحية بالعلاقة مع الجزائر، والعكس أيضاً، وبالمعنى الجيوسياسي.. البلدان كبيران ومحيطهما الحيوي يتقاطع في نقاط حيوية كثيرة، وتكاملهما، على أسس صحيحة وبعد تصفية مسببات التأزم، سيعود بنتائج إيجابية على جميع الشركاء في المنطقة. وبالنسبة إلى فرنسا لديها مصالح استراتيجية ووجودية في شمال إفريقيا وعموم القارة السمراء، ولا يمكن لها أن تفرط بأي منها، لا سيما في ضوء الأوضاع الإقليمية والدولية المتقلبة، فضلاً عن تعدد المنافسين، وأبرزهم الصين التي تضخ استثمارات ضخمة ضمن مشروع الطريق والحرير، وكذلك روسيا التي يجري جيشها أولى مناوراته العسكرية مع نظيره الجزائري في القوقاز.

ولهذه الأسباب وغيرها، ستعمل فرنسا على التهدئة، وربما تكون هذه الأزمة دافعاً للنفاذ إلى مرحلة جديدة بين البلدين تتجاوز مرارة الحقبة الاستعمارية، وتعترف بما حفرته الأحداث في الذاكرة.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"