الصراعات الدولية ووسائل التواصل

00:48 صباحا
قراءة 3 دقائق

الحسين الزاوي

إن الحديث عن تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي في المشهد العالمي لم يعد يقتصر على قضايا التواصل ومجالات الاقتصاد والسياسة.

يتحقق هذا التواصل عبر الشبكات عند حدوث تجمع بين أفراد لديهم توافق، ويتطلب عمل هذه الشبكات امتلاك معدات رقمية تسمح بالبث والاستقبال كما يستوجب تطوير تطبيقات ومواقع؛ وذلك فضلاً عن وجود تجهيزات قاعدية تضمن الربط الفوري بين الأطراف المشاركة في عملية التواصل. ويحدث هذا التواصل الرقمي في سياق علاقة اجتماعية تتم عبر الشاشة، وبالتالي فنحن أمام ممارسة تواصلية يشكل فيها الرابط الأهمية نفسها التي يشكلها المضمون.

تشير الدراسات التي أنجزت حول وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن المجتمعات شهدت منذ سنة 2000 تحوّلات حاسمة بعد دخولها عالم الرقمنة وتعلقها التدريجي بوسائل التواصل عن بُعد، لاسيما بعد إطلاق فيسبوك سنة 2004 ويوتيوب سنة 2005؛ حيث أسهمت هذه الوسائل في إحداث طفرة ثقافية كونية نحو عالم الرقمنة واكبها تضخم للنزعة الفردانية وانتشار شعور جماعي مضلل بنهاية التراتبية داخل المجتمعات؛ لذلك فقد ذهب بعض الباحثين إلى المبالغة في تقييم الدور الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي في موجة الاحتجاجات التي شهدتها العديد من دول العالم، لاسيما في المنطقة العربية.

وقد اكتشف العالم تدريجياً الأضرار الناجمة عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها السلبي على تماسك النسيج المجتمعي للدول، وتبين أنه وعلى الرغم من أنها يمكن أن توظف لفضح ممارسات الطغاة، فإنها قابلة للاستعمال أيضاً لدعم الأنظمة الشمولية والطغيان وللتّحريض على العنف. وبخاصة وأن هذه الوسائط تعمل في السياق نفسه على نشر محتويات تحصل على ملايين المشاهدات، تدعو إلى الكراهية وتشجّع على الإقصاء وتهيمن بطريقة فوضوية على النقاش العمومي للتأثير على العقول ولتوجيه الأفكار ودفع الأفراد إلى مزيد من الانغلاق وإلى الرفض المتصلب للآخر؛ وعوض الانفتاح الذي كانت تعمل هذه الوسائل على تحقيقه، فإنها أسهمت في ترسيخ الانعزال في أوساط المجموعات العرقية والدينية المختلفة، وتحوّلت إلى سلاح فتّاك بيد التنظيمات الإرهابية التي تستطيع أن تبث محتويات تحريضية قادرة على تجنيد العديد من الأتباع.

ونستطيع أن نزعم، أنه وبعد التراجع النسبي لمستويات الهوس والافتتان بوسائط التواصل الاجتماعي، فإن الخطاب المتداول لدى قسم كبير من الناس، بات يشير إلى التأثيرات المدمّرة لهذه الوسائل التي تحوّلت إلى منصات للتشجيع على القتل والتشهير بالأشخاص والتعدي عليهم وتوجيه التهم إليهم دون الالتزام بمقتضيات القانون. لقد أضحت هذه الوسائل أمكنة افتراضية خطرة تنشر محتويات كاذبة ومضللة وتسهم في إشاعة ذهنية المؤامرة ويجري من خلالها التلاعب بعقول الناس، وهناك قناعة عامة بأن النقاش بداخلها انحط مستواه ووصل إلى درجة الإسفاف والسوقية.

وتأسيساً على ما تقدم يمكننا الاعتراف أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت تشكل وهماً جماعياً ويتم من خلالها تقريظ الذكاء المزعوم للشعوب والأفراد والتشجيع على النرجسيات العرقية والدينية وعلى ثقافة كراهية الغرباء، وتشجِّع فضلاً عن ذلك المهاجرين على رفض الاندماج في مجتمعاتهم الجديدة من خلال استمراء العيش عن بُعد في عالم افتراضي مع مجتمعاتهم الأصلية؛ وبالتالي فإن هذه الوسائل وفي محاولتها لأن توفر للعامة مساحة لممارسة سلطة مضادة، فإنها تسهم في تحويل العديد من الكيانات الوطنية إلى دول فاشلة.

ولعل أخطر ما تتسبب فيه وسائل التواصل الاجتماعي هو تأجيجها للصراعات بين الدول والشعوب، من خلال تضخيم الصراعات السياسية الظرفية التي ما كان لها أن تأخذ أبعاداً مقلقة دون الشحن الذي تمارسه هذه الوسائل. وعليه فإنه ونتيجة لدورها الهدّام في العلاقات الدولية، فقد لجأت الصين إلى حجب منصات التواصل الأمريكية، كما دعا سياسيون ومفكرون أوروبيون إلى تطوير منصات بديلة؛ لأنه إذا كانت الشبكات قد تحوّلت إلى واقع لا يمكن تجاوزه، فإن التطبيقات يمكن تعديل أسلوب تأثيرها على الأفراد والمجتمعات والدول.

[email protected]

عن الكاتب

أستاذ الفلسفة في جامعة وهران الجزائرية، باحث ومترجم ومهتم بالشأن السياسي، له العديد من الأبحاث المنشورة في المجلات والدوريات الفكرية، ويمتلك مؤلفات شخصية فضلا عن مساهمته في تأليف العديد من الكتب الجماعية الصادرة في الجزائر ومصر ولبنان

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"