على قدر الشعر تكون الأمسيات

23:18 مساء
قراءة دقيقتين

محمد عبدالله البريكي

في الشعر لا شيء يستوجب المحاباة، فأنا على يقين من الدور الأمثل للشعر، والذي يتمثل في الصراحة والوضوح، وإذا كان الشعر قدرنا في الحياة العربية، فإنه من الضروري أن تكون هناك علاقة قوية بين الشاعر والجمهور، ولأن هناك وسائط تجمع الشاعر مع محبّيه بشكلٍ مباشر، فإن عملية الاختيار هي الأصعب في الأمسيات والمنابر الشعرية والفعاليات التي تحرك الماء الراكد، فحين يذهب شاعرٌ حقيقيٌّ وسط مجموعةٍ من الشعراء الذين تمتلئ بهم القاعة، والذين ربما يكون عددهم يقارب نصف أو ربع الجمهور على غزارته، يشعر هذا الشاعر بالوحدة والغربة من العدد الكثير في أمسية لا تستوجب هذا التحميل المبالغ فيه على المدعو «شعر»، هنا تحدث المأساة الحقيقية حين يضيع الصوت ويغيب الصدى ويبدأ العزف الخطأ، لأن الشعراء هم مجرد رقم في مثل هذه الأجواء، والغريب أن كل شاعر يصعد فينشد ما هو مستحب وما هو غير ذلك، وصاحب الأمسية سعيد بأن حَشَدَ للجمهور العديد من الأسماء المعروفة وغير المعروفة، فينعى الشاعر الحقيقي الشعر وهو يقرأ دون وعي، ويحاول أن يقول كلمته بكل إخلاص، لأن الشعر هو الشعر في كل مكانٍ وزمان، ولو أحسن الداعي لَجَمَع في مثل هذه الأمسيات عدداً قليلاً ممن يملكون الكلمة ويقدّرون قيمتها، إلا أن القائم على ذلك لا يهمه سوى أن يحشد كما ذكرت، فتكتب الصحف «حضر الفاعلية كذا وكذا، وصفّق الجمهور للسادة الشعراء» نعم صفّق الجمهور لهم لأن هذا الجمهور أيضاً أصبح مغلوباً على أمره، حضر ليسمع فلم يجد سوى هرجٍ ومرجٍ وكلماتٍ تذهب هنا وهناك لتملأ الأذهان، وهي في الحقيقة بعيدة عن أن تروي أو تقول شيئاً للنخبة أو الجمهور المتذوّق، ومثل هذه الأمسيات بدلاً من أن تسبب السعادة وتنثر الخيال في القاعات، تتحول إلى شيءٍ ثقيلٍ على النفس وكأنها كابوسٌ طويلٌ لا ينتهي إلا بعد أن يكون كل شيء قابلاً للملل، ليس هذا فحسب، فهناك ما يزيد الطين بلة حين يصر بعض الشعراء الذين دعوا لهذا الحفل المهيب الذي تم الترويج له على كل المستويات، على أن يقولوا أغلب ما كتبوه طوال حياتهم، فيصر الواحد منهم على أن يقول ويقول ولا يهم أن هناك شعراء آخرين يحلمون في بعض الأوراق القليلة لكن فيها روح الشعر وصوت الكلمات، فتتعمق المأساة ويفرح الشاعر الذي ملأ الدنيا مللاً، ويحزن الشاعر الذي اضطر إلى البقاء جالساً حتى تنتهي الليلة وكأن ما حدث هو شيء لا يصدق.. هكذا أصبحنا نعيش عصر الدعاية المبالغ فيها للشعر والشعراء دون وجودٍ حقيقيّ لشيءٍ منظّم يليق بمكانة الشعر الذي هو روح عروبتنا وعربيتنا، ولو أنصفنا لما انزلق البعض إلى مثل هذا، خصوصاً أن الشعر الحقيقي موجود، والشعراء المجيدين كثر، فماذا ينقصنا لكي نقدم شيئاً على قدر الشعر؟
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"