فرنسا والمغرب العربي إلى أين؟

00:46 صباحا
قراءة 3 دقائق

كمال بالهادي

المتغيّرات التي تحدث منذ عقد من الزمان في منطقتنا العربيّة، وخاصة في منطقة المغرب العربي تلقي بظلالها على علاقات «شمال- جنوب» في منطقة حوض البحر المتوسّط؛ إذ تبدو العلاقات بين فرنسا ودول المغرب العربي في أسوأ مراحلها.

الرئيس الفر نسي إيمانويل ماكرون، لم يفوت الفرصة في دقّ مسمار آخر في علاقات بلاده بدول المغرب العربي، لتزداد تلك العلاقات تصدعاً؛ إذ وصلت مرحلة خطرة تمثلت في إغلاق المجال الجوّي الجزائري أمام القوات الجوية الفرنسية، فيما يبدو الفتور واضحاً على علاقات باريس بكل من تونس والمغرب على خلفية عدّة قضايا خلافيّة.

القرار الفرنسي بخفض التأشيرات الممنوحة لدول المغرب العربي، وحصرها بنسبة 30 في المئة، أغضب الجزائر التي سارعت إلى استدعاء السفير الفرنسي وإبلاغه انزعاجها من خطوات أحادية تتخذها باريس، وتؤثر في العلاقات الثنائية، أعقبها قرار جزائري بإغلاق المجال الجوي أمام الطائرات العسكرية الفرنسية التي تنفّذ عملية «برخان» في دولة مالي، وردت باريس على القرار بأنه لن يؤثر في عملياتها، في حين نشرت صحيفة «لوموند» تصريحات منقولة عن قائد عسكري فرنسي أكّد فيها أنّ «هذه الأزمة سيتم حلّها ولن تؤثر في سير العمليات». أمّا تونس التي انزعجت من القرار الفرنسي بالتضييق على طالبي التأشيرة، فإنّ الاتصال بين سعيّد وماكرون، كشف عمق الخلافات بين الطرفين. ففي حين ركّز سعيّد على القمة الفرنكفونية التي ستحتضنها تونس مطلع شهر تشرين الثاني/نوفمبر القادم، ودور هذه القمة في تقريب الشعوب، مما يعني رفضاً تونسياً للقرارات الفرنسية، أصدر الإليزيه بياناً طالب فيه بعودة الديمقراطية من خلال إجراء حوار مع الأطراف السياسية، في نبرة تبدو غاضبة، وتكشف ما خفي من خلافات عميقة بين الطرفين. أمّا المغرب التي تخوض معركة متعدّدة الأوجه مع دول الاتحاد الأوروبي حول قضية الصحراء والهجرة غير الشرعية واتفاقيات الصيد البحري، فإنّ الرباط استاءت من القرار الفرنسي واعتبرته غير مبرّر، في تصريح لوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة.

يبدو واضحاً أنّ الرئيس الفرنسي خاصّة مع بداية المعركة الانتخابية يريد تصريف أزماته نحو المنطقة التي يعتقد أنها رخوة، وأنه يمكنه أنّ يحقق فيها نقاط فوز على منافسيه. فالرئيس الفرنسي لم يتخذ هذه الخطوة إلاّ لقطع الطريق أمام اليمين المتطرف الذي يرفع في كل انتخابات رئاسية وبرلمانية شعار محاربة الهجرة بشكليها النظامي وغير النظامي. هذا الضغط الداخلي جعل ماكرون يرتكب خطأ قد يجره إلى انتكاسات سياسية جديدة بما أن ردود فعل الدول المغاربية كانت خارج حساباته؛ بل إنّ بعضها كان صادماً لماكرون، الذي تراجع وقال إنّه يمكن مراجعة هذه الإجراءات مستقبلاً.

على فرنسا أن تدرك أن المتغيّرات الجارية في المنطقة، تنتج أصواتاً جديدة ليس فقط معارضة للمصالح الفرنسية؛ بل إنها تطالب بمعاملة ندّية وسويّة دون انتقاص طرف من شأن الطرف الآخر. الأصوات الصاعدة في دول المغرب العربي تعلي من قيمة السيادة الوطنية وتطلب من فرنسا ذات الماضي الاستعماري في المنطقة، أن تتعامل مع دولهم بمنطق المصالح المشتركة، وأن تدرك أن القوى العالمية الجديدة مهتمة بمنطقة المغرب العربي كمنطقة استراتيجية في البحر المتوسط، وهو ما يمنح دول هذه المنطقة أوراق مناورة كبرى؛ بل إن فرنسا على سبيل المثال والتي ترفع «ملف التأشيرات» كورقة ضغط في كل مرة، تتنصل من اتفاقات سابقة مع تونس على سبيل المثال تنص على قبولها 9 آلاف مهاجر سنوياً، ولكنها تخلّت عن تلك الاتفاقية بقرار أُحادي، كما أن السفارة الفرنسية في تونس هي السفارة الأولى من حيث تحقيق إيرادات مالية، من طالبي التأشيرة، ومثل هذه القرارات غير المدروسة، من شأنها أن تؤثر في العلاقات التاريخية، وتزيد من حدّة العداء لفرنسا لدى المزاج الشعبي.

العالم يتغيّر بطريقة متسارعة وفرنسا القديمة ما تزال تنظر إلى منطقة المغرب العربي كونها حديقتها الخلفية التي تتصرف فيها كمزرعة خاصّة، وهذا خطأ استراتيجي كبير من طرف باريس، سيؤثر حتماً في علاقاتها بالشعوب المغاربية مستقبلاً.

[email protected]

 

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"