الشارقة: علاء الدين محمود
الغوص في أعماق وحياة فيلسوف كبير، هو أقصر الطرق نحو فهم فكره مهما كان حجم غموضه، بل إن تلك الفلسفة التي أنتجها تعكس الكثير من سمات طريقة عيشه ونشأته، فالتعقيد الذي نجده في مصطلحاته ومفاهيمه هو بعض من القسوة ولحظات البؤس في عمره، والغموض في أفكاره هو من تلك الظلال القاتمة الناتجة عن ظروف وتفاصيل صعبة عاشها؛ لذلك اهتم المؤرخون والنقاد في حقل الفلسفة بالسيرة الذاتية لأي فيلسوف؛ لأنها تقدم إضاءات كاشفة حول الكثير من نظرياته وأعماله.
أحد الفلاسفة المهمين والمؤثرين، والذين تعتبر قصة حياتهم ملهمة جداً، هو الفيلسوف الدنماركي سورين كيركجارد «1813 1855»، الذي عاش حياة قصيرة لكنها عامرة بالتجارب والأفكار الكبيرة التي شكلت انقلاباً في تاريخ الفلسفة؛ حيث أعادت الاعتبار للفرد، ذلك ما ذكره الأكاديمي الدنماركي يواكيم غارف في كتابه «سورين كيركجارد... سيرة حياة»، والذي حاول أن يحيط بكل جوانب كيركجارد، لكي يجيب عن سؤال: من هو ذلك الفيلسوف المختلف؟.
يرصد الكتاب جوانب أخرى في مسيرة كيركجارد، مثل الطفولة والأسرة والحب والزواج والتعليم والشقاء، والقلق، ويأخذنا إلى تجربته مع الشعر والأدب، وحبه للمسرح وموسيقى موزارت، وبذلك فإن الكتاب يورط القارئ في تفاصيل رحلة ممتعة ومستكشفة، منذ النشأة الأولى حتى أصبح كيركجارد المؤسّس الحقيقي للفلسفة الوجودية المعاصرة، قبل كل من مارتن هايدجر وجان بول سارتر.
ومنذ البداية يحيلنا المؤلف إلى تفاصيل سيرة بيت ثري في «كوبنهاجن»، ولد فيه الفيلسوف الكبير، والذي كانت والدته شخصية بسيطة متواضعة كتبت عنها إحدى حفيداتها واصفة طريقة رعايتها لكيركجارد وشقيقه فقالت: «مارست النفوذ بفرح وحمت سورين وبيتر مثل دجاجة تحمي فراخها»، لكن الدور الأكبر في حياة ومسيرة كيركجارد قام به والده الذي كان يعمل تاجر صوف، وقاده إلى دروب الحياة والمعارف، وإن كانت تلك التربية لم تخلُ من القسوة في أحيان كثيرة، فقد كان الوالد في أوج اكتئابه وتعنته جراء تجارب دينية قاسية، وأراد أن يربي ولديه على التدين؛ لذلك يقول كيركجارد: «لقد تربيت على المسيحية بشكل جنوني، لقد كنت طفلاً تربى بجنون كرجل عجوز سوداوي»، لذلك كان أثر ذلك الأب عميقاً جداً، لدرجة أنه جعل من الصعب على ولديه أن يعيشا طفولة عادية، فالأب كان يخشى على ابنيه من الموت، بعد أن مات بقية أولاده، وكان يظن أن سبب ذلك لعنة قد حلت عليه؛ لذلك كان متشدداً في طريقة تربيته، ولكن كيركجارد رغم ذلك أحب ذلك الأب في أعماقه، ونسب إليه فضلاً كبيراً في كل ما وصل إليه من مكانة فكرية، خاصة على مستوى الفلسفة الوجودية.
وفي تلك الأجواء، اطلع كيركجارد، وهو لا يزال في ميعة الصبا، على أعمال فلسفية ل«كريستيان وولف»، و«جورج يوهان هامان»، و«إدوارد يونغ»، و«غوثولد إفرايم ليسينج»، وتبحر في أفكار «لودفيج هولبيرج»، التي أحبها وفضلها كثيراً على ما سواها من فلسفات، إلى جانب تعلقه بأفكار أفلاطون وسقراط.
لم يسْعَ كيركجارد إلى أن يصبح فيلسوفاً بالمعنى التقليدي أو الهيجلي «نسبة لهيجل»، فقد أراد أن يقبل على الحياة بكل تفاصيلها وطبيعتها وإنسانيتها، ولم يكن يريد لحياته أن تكون مكرّسة للتأمل والتوقع والتأويل والتخمين، وكان يقول: «ما أحتاج أن أقوم به فعلًا هو أن أكون واضحاً بشأن ماذا عليّ أن أفعل، وليس ماذا يجب أن أعرف»، تلك حكمة أخذها مرة من والده؛ لذلك عندما التحق بالمدرسة التي كانت تسمى «الفضيلة المدنية»، اهتم بالأدب وعلم الجمال أكثر من اللاهوت أو حتى الفلسفة والتاريخ، ولكن رغم ذلك استمر في تعلم اللاهوت في جامعة كوبنهاجن. أعلن كيركجارد التمرد على أفكار هيجل أكبر أقطاب الفلسفة؛ حيث كان الأخير يرى أن الأولوية في الفلسفة هي للنظام والتاريخ، وبالعكس من ذلك اهتم كيركجارد بالفرد؛ حيث اعتبر أن أساس الفلسفة في كل مكان وزمان هو الإنسان وليس التاريخ، وكانت تلك الآراء بمثابة انقلاب حقيقي؛ حيث كانت آراء هيجل تسود بقوة في الجامعات والأوساط الفلسفية.