الحروب على المياه

00:28 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. فايز رشيد

منذ سنوات طويلة، توقّع خبراء ومحللون سياسيون ومعاهد متخصصة، أن يكون أحد عناصر الحروب القادمة هو المياه كالأنهار والبحار. بالطبع نذكر النزاع بين مصر والسودان من جهة وبين إثيوبيا من جهة أخرى، بسبب بناء الأخيرة ل «سدّ النهضة»، رغم الاتفاقيات العديدة الموقّعة بين البلدان الثلاثة برعاية دولية، والتي تحدد حصة كلّ بلد من مياهه، ونذكّر بأزمة المياه المتلاحقة بين سوريا والعراق من جهة وتركيا من جهة أخرى؛ حيث تتعمد الأخيرة قطع المياه أو تخفيضها إلى البلدين، باعتبار أن نهري الفرات ودجلة ينبعان من هضبة الأناضول، كما نشهد صراعاً بين الدول المطلّة على بحر الصين الجنوبي، وعلى وجه التحديد بين كلّ من الصين وفيتنام والفلبين وتايوان وماليزيا وبروناي التي تتنازع منذ عقود السيادة على مناطق مطلّة عليه. لذلك فالتوترات في هذه المنطقة لا تزال قائمة.

ولقد عززت الصين ادعاءاتها بالسيادة على أجزاء واسعة من هذا البحر، عن طريق تشييد الجزر الاصطناعية فيه، وتسيير الدوريات البحرية في مياهه. كذلك، الصراع بين الهند وباكستان على وادي نهر غانغ. كما نشهد حالياً نزاعات بين دول عديدة على المياه الإقليمية لكلّ منها، كما في مناطق عديدة في أمريكا اللاتينية، وغيرها العديد من المناطق في أنحاء العالم. وتعدّ منطقة الشرق الأوسط من أكثر المناطق التي تعاني من ندرة المياه.

وقد أكد تقرير أصدرته مؤخّراً «المنظمة العالمية للأرصاد الجويّة» التابعة للأمم المتحدة، أن أكثر من ثلاثة مليارات شخص سيواجهون صعوبات في الحصول على المياه بحلول العام 2050، كما أوضح التقرير، أن عدد مَن واجهوا صعوبات في الحصول على المياه لمدة شهر على الأقلّ سنوياً بلغ 3.6 مليار شخص خلال العام 2018. وقد شدّدت المنظمة على أنه وعلى مدار السنوات العشرين الماضية، انخفض مخزون مياه الأرض بمعدّل سنتيمتر واحد سنوياً، وهذا ما يزيد الأمر تعقيداً.

تقرير المنظمة المذكورة، يفتح الآفاق على إمكانية تحوّل النزاعات على المياه إلى حروب حقيقية في مناطق كثيرة في العالم مستقبلاً، ما لم تجرِ اتفاقيات بين الدول المتجاورة.

لكن من الواضح، أن الأمر ليس كذلك للأسف؛ حيث إن الوضع أكثر تعقيداً بسبب عوامل مختلفة مثل النزاعات القومية والتوترات السياسية والجفاف والتغيرات المناخية التي بتنا نشهدها بكثرة في السنوات الأخيرة. بالطبع، تحدث الخسائر الكُبرى في العديد من المواقع المكتظة بالسكان والدول الشحيحة الموارد، التي لا تستطيع استغلال المياه في أراضيها.

في الوقت نفسه ازدادت المخاطر المتعلقة بالمياه، خلال العقدين الماضيين، فمنذ مطلع الألفية زاد عدد الكوارث المرتبطة بالفيضانات بنسبة 134%، مقارنة بالعقدين السابقين، كما ارتفع عدد حالات الجفاف ومدتها بنسبة 29% خلال نفس الفترة. لقد لجأت دول عديدة إلى تحلية مياه البحر لتوفير حاجة قاطنيها من المياه، التي لا يمكن الاستغناء عنها لمطلق إنسان.

توفير الماء العذب في العديد من الدول بدأ يزداد حدة على الساحة الدولية على مدار السنوات الأخيرة؛ بسبب انفجار التعداد السكاني في العالم من جهة، وبسبب التغيرات المناخية من جهة أخرى. وفي مثل هذه الظروف، من الطبيعي اندلاع النزاعات حول موارد المياه باستمرار، وبعضها قد يتحول إلى حروب للأسف. لذلك، فإن كافة دول العالم معنيّة بالتعاون مع بعضها، وتحت إشراف الأمم المتحدة والجهات الأخرى المعنية لتوفير المياه لكافة سكان المعمورة، كما التعاون الفعلي في مواجهة الأزمات المائية، وضرورة اعتماد الدول على بنية تحتية مرنة مع إدارة دقيقة وفاعلة لموارد المياه النادرة أصلاً على نحو مستدام، وذلك لإمكانية تجنّب الحروب المستقبلية بين العديد من الدول.

يتوجب نزع فتيل كلّ أزمة مائية بين دولتين أو عدة دول قبل اشتعالها؛ لأن الحروب المحتملة سوف تحرق الأخضر واليابس في الدول المعنيّة، فضلًا عن تأثيراتها على الدول الأخرى.

عن الكاتب

كاتب وباحث في الشؤون الاستراتيجية، وهو من الخبراء في الصراع الفلسطيني العربي-"الإسرائيلي". إضافة إلى أنه روائي وكاتب قصة قصيرة يمتلك 34 مؤلفاً مطبوعاً في السياسة والرواية والقصة القصيرة والشعر وأدب الرحلة. والمفارقة أنه طبيب يزاول مهنته إلى يومنا هذا

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"