عادي

الوضعية المنطقية تصيب الفلاسفة بالإثم

00:47 صباحا
قراءة 3 دقائق
3201

يتنازع إنسان العصر توزع في الأهداف والغايات، يجد صداه في داخله تمزقاً وقلقاً، ويشمل الرغبة في بلوغ التكامل والوحدة، كي يتهيأ له السلام مع النفس والعالم، كما يتقاسم الإنسان إحساس بضآلته في هذا الكون الفسيح، في الوقت الذي يشعر فيه بأهمية دوره، ولا يملك الإنسان في الحالين سوى فاعليته ووعيه، اللذين يحملانه على تدبير أمر نفسه، والتماس طريق مأمون في شعاب عالم لا يكترث به، غير أن ظلاً كثيفاً، كما يقول الشاعر «إليوت» يسقط بين الرغبة والفعل أو الأمل والإنجاز.

في كتابه «نظرية القيم في الفكر المعاصر» يؤكد د. صلاح قنصوة أن القيم الإنسانية هي الشعاع الذي قد يبدد هذا الظل، فالسؤال عما ينبغي أن يتخذه الإنسان من موقف إزاء هذا العالم المضطرب بالأحداث والثورات في سائر فاعليات الإنسان، فكراً وسلوكاً، هو سؤال ينتمي إلى مجال القيم، فقبل كل موقف نختاره أو قرار نتخذه نسأل أنفسنا: ما قيمة ما نعرف؟ وقيمة ما نفعل؟ وقيمة ما سنحققه؟

يشارك معظم الفلاسفة اليوم في الشعور بما يحيق بالقيم من تهديد مبعثه التحول الاجتماعي المتسارع، الذي نشأ عن التطبيقات العلمية المتزايدة، فإذا كانت العلاقات الاجتماعية شرطاً لوجود القيم الشخصية نفسها، فإن كل صورة من صور المجتمع تفسح الطريق أمام نوع من التهديد لتلك القيم، ما أدى إلى الاضطراب والتخبط في مقاييس القيمة ومستوياته، التي تحظى بالقبول، ولهذا يعتمد مستقبل مدنيتنا الحاضرة في نظر الكثير من المفكرين على المدى، الذي نستطيع عنده إنقاذ القيم، وصونها من الأخطار التي تحدق بها اليوم.

يوضح قنصوة أنه إذا ما بدأت الحركة العلمية بالفيزياء، وكان برنامج «بيكون» هو السيطرة على الطبيعة فإن برنامج اليوم هو السيطرة على الإنسان نفسه، وإلا فكيف نخضع الطبيعة لسيطرة الإنسان دون أن نخضع طبيعته قبلها، وهذه هي مهمة دراسة القيم، لأنه لا يتيسر التحكم في الطبيعة، دون تنظيم هذا التحكم وتوجيهه.

الإنسان اليوم، كما يرى قنصوة، يجد كل ما ورثه من ألوان الثقافة، معرضاً للامتحان، فكل شيء يعتوره التغير، في سرعة تقفز به، في طفرات لا يسعفه المنطق المعتاد بالتنبؤ بها أو ملاحقتها، فيلقى نفسه فريسة مع وجوده ومجتمعه وعالمه وعصره، فلا تأتلف معتقداته في نسق موحد، وهو لا يفكر أحياناً بالطريقة نفسها التي يتصرف بها، وهذا التعارض هو ما يسميه «أوجبرن» في بعض مظاهره «التخلف الثقافي».

يوضح المؤلف أنه إذا كان ثمة خطر يتهدد عالم الإنسان وحياته، وأزمة تكاد تخنق وجوده، فإنها لا تحل بمجرد مزيد من التطور في العلم والتكنولوجيا، لأن هذا التطور نفسه يدخل ضمن أسباب الأزمة، كما لا تحل بمواقف سياسية معينة، لأنها أزمة تتصل بمعنى الحياة الإنسانية ذاتها، ومن ثم فهي تنشد من الفلسفة أن تقدم عوناً كبيراً، فالفلسفة برفضها التسليم بوجود حدود يضعها لها العلم، هي وحدها التي يمكن أن تتعهد بصقل نوع من التكامل أو التركيب أو المنظور لكل جوانب الوجود والحياة.

هذا الالتزام الفلسفي لا يقف إلا على قاعدة من القيم، وهو ما يبدو جلياً في فلسفات العصر: الوجودية والماركسية والبراجماتية، أما الوضعية المنطقية فهي الوجه السلبي من الفلسفة المعاصرة، لأنها نالت حظوتها فقط من استغلال الشعور بالإثم لدى الفلاسفة، لأنهم لم ينشأوا علماء، أو لأنهم على الأقل ليسوا باحثين، يكشفون عن معرفة، يمكن التحقق منها بأسلوب العلم ومنهجه.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/5bat499r