عادي

فرنسا والإرث الاستعماري في المغرب العربي

23:07 مساء
قراءة 4 دقائق
1

بهاء محمود *

شكلت دول المغرب العربي (تونس - ليبيا الجزائر المغرب) مناطق نفوذ حرصت فرنسا على إبقاء العلاقات معها على أفضل حال، فهي الإرث الاستعماري القديم وهي أيضاً بوابة إفريقيا للمصالح الفرنسية، وعلى الرغم من ذلك تضطرب العلاقات الفرنسية المغاربية كثيراً، وكان آخرها توتر العلاقات الجزائرية -الفرنسية.

يتجدد التوتر الفرنسي -الجزائري منذ عام 2005، ولعل الرابط الرئيسي في الأزمات بين البلدين مرحلة «الفترة الاستعمارية»، فتارة يدور الحديث حول الرغبة الجزائرية في الاعتذار الفرنسي عن تلك الحقبة، وتارة تمجد فرنسا بماضيها الاستعماري للدرجة التي يرى فيها الرئيس الفرنسي ماكرون أنه لم تكن هناك أمة جزائرية قبل الاستعمار، وكأن الجزائر ولدت مع الاستعمار.

على خلفية تلك التصريحات التي أدلى بها ماكرون لصحيفة «اللوموند» الفرنسية عقب لقائه مع وفد من أبناء المحاربين الذين شاركوا خلال فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر، منعت الأخيرة الطائرات الفرنسية من العبور في سمائها، وسحبت سفيرها. لم تتوقف فرنسا عبر رئيسها عند هذا الحد؛ بل تم اتهام النظام الجزائري بأنه نظام عسكري يعيش على ريع الذاكرة. تبدو للوهلة الأولى أن تصريحات ماكرون مفتعلة ومن دون سبب، لكن تراجع شعبيته وخسارته في ملفات عديدة داخلياً وخارجياً، وآخرها أزمة الغواصات الأسترالية وتوتر العلاقات مع الثلاثي (الولايات المتحدة أستراليا بريطانيا) ربما دفعته لاتخاذ مثل هذه المواقف. لكن كل ما سبق يأتي قبيل الانتخابات الرئاسية الفرنسية وماكرون له عدد من المنافسين الجدد وعلى رأسهم اليمين المتطرف الذي يتغذى على شعارات القومية، وليس هناك أفضل من الحديث عن الحقبة الاستعمارية في هذه الأيام حتى يزايد ماكرون على قومية اليمين المتطرف، وينال من حصة ناخبيهم، ثم لاحقاً يهدئ التوتر مع الجزائريين وغيرهم.

أزمة التأشيرات

حرصت فرنسا خلال الأزمة التونسية عقب تعليق الرئيس التونسي قيس سعيّد البرلمان التونسي وحل الحكومة، على التضامن مع سعيّد ولم تنتقده؛ بل بدا وكأنها تميل لتأييده، على خلفية عداء ماكرون للإسلام السياسي وخاصة (للإخوان المسلمين) الممثلين في «حركة النهضة»؛ بل وقام ماكرون بإرسال شحنات طبية ومساعدات لمواجهة وباء كورونا وبدا ذلك وكأنه مساندة فرنسية لتوجهات سعيّد.. وفجأة أصدر الرئيس الفرنسي قراراً بتخفيض التأشيرات الممنوحة للدول المغاربية (المغرب- الجزائر تونس)، بنسب تصل إلى 50% لكل من المغرب والجزائر، و30% لتونس، بزعم مواجهة الهجرة غير الشرعية. كون الدول الثلاث بحسب زعم فرنسا ترفض إصدار التصاريح القنصلية اللازمة لعودة المهاجرين لأوطانهم مرة أخري؛ لذا صرح جابرييل أتال المتحدث باسم الحكومة الفرنسية بأن بلاده تنوي ترحيل نحو 8 آلاف جزائري، وجنسيات أخرى من المغرب وتونس.

بالنسبة للمواقف الرسمية التونسية والمغربية استهجنت الدولتان القرار الفرنسي واستغربتا من توقيته، فمن جهة عبر الرئيس التونسي عن أسفه للقرار الفرنسي وقام بإجراء اتصال مع ماكرون الذي أوضح إمكانية مراجعة القرار. ردت المغرب من جانبها على لسان وزير خارجيتها ناصر بوريطة خلال مؤتمر صحفي مؤكداً أن بلاده كانت على علم بالقرار الذي تعده المغرب «غير مبرر».

مزاعم التجسس

يأتي المغرب في الترتيب الثاني للعلاقات المتوترة مع فرنسا، خاصة عقب تفجر قضية بيجاسوس، تلك الأزمة التي نشرت حولها صحيفة «لوموند» الفرنسية نفس الصحيفة التي فجرت الأزمة مع الجزائر- مدعية أن الأجهزة الأمنية المغربية تجسست على هاتفي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس وزرائه السابق إدوار فيليب، ومسؤولين حزبيين ونواب إضافة إلى شخصيين من مرافقي ماكرون، هما فرانك باريس، مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الإفريقية، وألكسندر بينالا الحارس الشخصي للرئيس؛ وذلك عبر مراقبتهم جميعاً باستخدام تكنولوجيا «بيجاسوس». المغرب من جهته نفى المزاعم الفرنسية وتحدث وزير خارجيتها بوريطة لصحيفة «جون أفريك» مطالباً الأشخاص الذين وجهوا الاتهامات لبلاده بتقديم الأدلة الملموسة، موضحاً أن الاتهامات بنيت على تخمينات، الأمر الذي ستتبعه مقاضاة لدى منظمتي «فوربيدن ستوريز» والعفو الدولية، إضافة إلى صحيفة «لوموند» ومديرها جيرون فينوجليو، والمؤسسة الإعلامية «ميديا بارت» ورئيسها إدوى بلينيل، وكذلك «راديو فرنسا».

محددات المستقبل

يتضح من السابق أن الأزمة الفرنسية - المغاربية مركزة في باطنها مع الجزائر والمغرب، وقد أضيفت تونس كإجراء شكلي ليس أكثر، والثابت المشترك بينهم هو نطاقهم الجغرافي المهم لفرنسا، إضافة إلى المأزق الليبي التي تعانيه فرنسا متراجعة لمصلحة روسيا وتركيا. وهناك أيضاً الأهمية الاقتصادية للدول الثلاث. فلدى فرنسا مصالح نفطية مع الجزائر وقد تضررت بالفعل بعد قيام الحكومة الجزائرية بوضع اليد على شركة النفط الأمريكية «انادراكو» والتي تتواجد أصولها بالجزائر ومنع شركة «توتال» الفرنسية من امتلاكها، مع إنهاء عقود عدد من الشركات الفرنسية في الجزائر، على رأسها الشركة التي تدير مترو الأنفاق، والمطار الدولي، والمياه وغيرها من الشركات التي سوف تتسبب بخسائر فرنسية. وبالتبعية سوف تضغط على الرئاسة الفرنسية لتحسين أوضاعها مع الجزائر التي تشهد حراكاً داخلياً للتصعيد ضد فرنسا وتبني إجراءات من شأنها رفع سقف الأزمة، منها إمكانية إصدار البرلمان الجزائري قانون تجريم الاستعمار، وهو المعطى المؤثر أيضاً في تحديد مستقبل تحركات الجزائر في منطقة شمالي النيجر ومالي إحدى المناطق التي تتلقى منها فرنسا ضربات وهزائم جعلتها تعيد حساباتها، مع سعي الجزائر لتطوير وتعزيز علاقاتها مع دول مثل إسبانيا وألمانيا وروسيا وإيطاليا.

على فرنسا أن تراجع حساباتها ومواقفها تجاه الدول المغاربية الثلاث لحفظ مصالحها ومكانتها إن أردات البقاء.

* باحث بمركز دراسات الأهرام

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/rsfzc8rr