عادي

ليبيا تنتظر القرارات الصعبة

23:06 مساء
قراءة 4 دقائق
جانب من اجتماعات سابقة للجنة «5+5»

د. محمد فراج أبو النور *

شهدت الأزمة الليبية خلال الأيام الأخيرة تطورات متلاحقة، يتسم العديد منها بكثير من التناقض، ولا تكاد وسائل الإعلام تحمل أخباراً عن تطور إيجابي يبعث على الأمل في تحقيق قدر من الاستقرار والتحرك في اتجاه تنفيذ «خارطة الطريق» العتيدة، حتى يتضح أن هذا التطور تحيط به ملابسات ملغومة، أو تتخذ الأحداث اتجاهاً معاكساً.

يوم الجمعة الماضي، وقعت اللجنة العسكرية (5+5) في اجتماعها في جنيف، على خطة لسحب المرتزقة والمقاتلين الأجانب والقوات الأجنبية من ليبيا، بصورة وصفت بأنها «متدرجة ومتزامنة ومتوازنة». وحضر التوقيع ممثلون للدول الغربية الكبرى، ومبعوث الأمم المتحدة «يان كوفيتش»، الذي وصف الحدث بأنه «لحظة تاريخية». علماً بأن النصوص الكاملة للخطة وآليات تنفيذها لم يتم الإعلان عنها، وإنما أعلنت خطوطها العامة، وتقضي المرحلة الأولى منها بأن يتم سحب المرتزقة الأجانب من ليبيا وفقاً لجدول زمني ينتهي قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في 24 ديسمبر/ كانون الأول المقبل، وأن يتم ذلك تحت إشراف لجنة (5+5) وفريق من المراقبين الأمميين غير العسكريين.

وكما ذكرنا من قبل، فإن نصوص الخطة لم تعلن، لكن التسريبات الإعلامية تشير إلى أن باقي بنودها «إنهاء أي تواجد لأية قوات أجنبية، وتفكيك الميليشيات المسلحة وإدماجها في القوات المسلحة وقوات الأمن بصورة فردية» سيتم في مراحل متلاحقة، وسيتم ذلك تحت إشراف لجان عسكرية ليبية مشتركة تابعة للجنة (5+5)، ويجب على السلطات الانتقالية «المجلس الرئاسي وحكومة الدبيبة» توفير الدعم المالي واللوجستي لهذه العملية.

وقد سارعت بعثة الأمم المتحدة وسفارات أمريكا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا في ليبيا، لإعلان دعمها للخطة، والتأكيد على ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها المقرر.

عقبات أمام «المؤتمر»

«مؤتمر استقرار ليبيا» الذي ينعقد في طرابلس على المستوى الوزاري في 21 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، وبحضور دولي موسع، يفترض أنه سيتبنى الخطة، ويصدر قرارات تضمن تنفيذها، وحشد الدعم الدولي الضروري لذلك.

وهنا يجب أن نتوقف.. فالانتخابات يحين موعدها خلال أقل من شهرين ونصف الشهر، وفي ظل الأجواء السياسية بالغة التوتر التي تعيشها ليبيا، والمراوغات المستمرة من جانب «الإخوان المسلمين» وبقية زعماء الميليشيات، مدعومين بالموقف التركي.

وإذا كان من المشكوك فيه أن يتم تنفيذ المرحلة الأولى من الخطة –وهي الأسهل- فكيف، ومتى سيتم تنفيذ انسحاب القوات التركية من العاصمة وميناء وقاعدة مصراتة البحرية، وغيرها من القواعد الجوية والبرية؟ ومعروف أن تركيا تتمسك بوجودها العسكري في ليبيا، ويعتبر وزير دفاعها أن هذه القوات «ليست أجنبية».

وكيف، ومتى سيتم حل الميليشيات «الإخوانية»، وغيرها من الميليشيات الإرهابية المصنفة دولياً، خاصة «القاعدة» و«داعش»، فضلاً عن إدماج بعض الميليشيات في قوات الشرطة والجيش في الغرب، وصرف رواتبها من مورد المصرف المركزي؟ وكيف، ومتى سيتم حل الميليشيات القبلية والمناطقية؟ وكيف يمكن الحديث عن «انتخابات نزيهة» في ظل الاحتلال الأجنبي للعاصمة والعديد من المدن، والقوات العسكرية، وفي ظل هذا الوجود الكثيف للميليشيات المسلحة، وما تثيره من فوضى عارمة في المناطق الغربية من البلاد؟

والواقع، أن عدم حسم المواقف الغربية إزاء كل هذه القضايا، يشير إلى أن الدول الغربية ليس لديها مانع من إجراء الانتخابات في ظل الأوضاع المشار إليها، بالرغم من استحالة ضمان الحد الأدنى من نزاهتها.

ويكفي أن نشير إلى أن الصراعات المحتدمة بين الميليشيات، من أجل السلطة والنفوذ، ليس نادراً ما تنتقل إلى العلاقات بين قوات «الجيش» و«الأمن» في طرابلس نفسها.. ومن ذلك ما حدث مؤخراً حينما اقتحمت وحدة من الجيش مقر وحدة من قوات «الأمن»، وسقط عدد من القتلى من أفراد الوحدة الأخيرة، ولم تكن هذه هي المرة الأولى.. والأرجح أنها لن تكون الأخيرة، فكيف يمكن إجراء انتخابات نزيهة في ظل هذه الفوضى العارمة؟

نزاعات قانونية ودستورية

ومعروف أن «الإخوان» و«المجلس الأعلى» وزعماء الميليشيات في الغرب يريدون تأجيل الانتخابات لحين إقرار دستور جديد تارة، أو انتخاب البرلمان أولاً، على أن يقوم الأخير بانتخاب رئيس محدود الصلاحيات. كما أنهم اعترضوا على قانوني «الانتخابات الرئاسية» و«الانتخابات البرلمانية» اللذين أقرهما مجلس النواب مؤخراً، وتم إبلاغ البعثة الأممية والمفوضية العليا للانتخابات بهما، وتمت الموافقة عليهما وتدعو الدول الكبرى لإجراء الانتخابات «المتزامنة» على أساسهما، وفقاً لخريطة الطريق، غير أن معارضة زعماء «الغرب» لهذه القاعدة التشريعية للانتخابات لا تزال مستمرة.

الصراع السياسي

معروف أن البرلمان قد سحب الثقة من حكومة الدبيبة بسبب الخلافات حول قضية الموازنة العامة، والإنفاق الحكومي من دون الرجوع لمجلس النواب، وكذلك إبرام اتفاقيات طويلة الأمد توجب التزامات مالية واقتصادية على البلاد، ومن دون عرضها على البرلمان.

ووصل الأمر مؤخراً إلى انشقاق خطير في الحكومة، وعقد مؤتمر في بنغازي بقيادة حسين القطراني النائب الأول للدبيبة، وعدد من الوزراء ووكلاء الوزارات، ورؤساء البلديات في ولاية برقة، أصدر بياناً تحدث عن انفراد الدبيبة بالسلطة، وإصدار قرارات باسم مجلس الوزراء من دون الرجوع للمجلس، وتهميشه للوزراء والمسؤولين من «الشرق»، وإجراء تعيينات في مناصب عليا من دون رجوع للهيئات المختصة، والرفض الفعلي لتغيير مسؤولي الهيئات السيادية، وفقاً ل«خريطة الطريق»، (خاصة محافظة المصرف المركزي وهيئات الرقابة المالية). كما تحدث القطراني عن تعيين الدبيبة لأقاربه في مناصب رفيعة، معلناً رفضه ل«الحكومة العائلية».. ومطالباً برقابة دولية على أداء الحكومة. وهدد المشاركون في المؤتمر ب«التصعيد في حدود القانون»، بما يفيد التهديد بالاستقالة، الأمر الذي يعني أن تصبح الحكومة معبّرة عن «الغرب» وحده.. أي نشوء حالة تقسيم فعلي. وفي ظل أوضاع كهذه يصبح إجراء الانتخابات في موعدها محل شك عميق، كما أن تنفيذ خطة لجنة (5+5) لإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا، وحل الميليشيات الأجنبية يظل هو الآخر أمراً مشكوك فيه بشدة، ما لم يحدث تغيير في علاقات القوى على الأرض، أو تغيير جدي نحو الحزم في المواقف القوى الغربية الكبرى، وعلى رأسها أمريكا.. وهو ما تلوح بوادره.

* كاتب مصري

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/p4jtv7fr