عادي

واشنطن وباريس.. توتر في التوقيت الخطأ

23:12 مساء
قراءة 4 دقائق

كتب: بنيمين زرزور

تكشف تصدعات التحالف بين ضفتي الأطلسي وغياب الدور القيادي الأمريكي على المسرح العالمي، عن مجموعة من النوايا الاستراتيجية المبيتة لكل من الجانبين، حيث تحرص أوروبا على الحفاظ على ما تبقى من هيبتها بتحفيز من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بينما يمارس الأمريكيون كعادتهم ألعابهم الاستراتيجية المفضلة من تحت الطاولة ليتفاجأ بها الجميع وأولهم حلفاؤهم الأوروبيون.

وجه التحالف الساكسوني الأخير الذي جمع بين واشنطن ولندن وكانبيرا في إطار اتفاقية «أوكوس»، ضربة موجعة للجهود الأوروبية الرامية إلى رتق جيوب العلاقة مع واشنطن، بعد أن اتسعت جداً في عهد الرئيس ترامب. وكانت اللسعة التي تعرضت لها باريس على وجه الخصوص، أشد إيلاماً بفقدها صفقة الغواصات العاملة بالديزل مع كانبيرا، التي اختارت أو ربما «أجبرت» على استبدالها بغواصات نووية ستحصل عليها من الأمريكيين بذريعة تعزيز جبهة المواجهة المفترضة مع الصين.

بلينكن في باريس

وكان طبيعياً في ظل تبعات ذلك التحالف أن تتوتر العلاقات بين باريس وواشنطن إلى حد استدعاء السفير الفرنسي من واشنطن، ما تطلب ترتيب زيارة عاجلة لوزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى عاصمة باريس، لتهدئة الخواطر وتجنب تصعيد كان مرجحاً، ومن المؤكد أنه لا يخدم أياً من الطرفين.

وتزامنت زيارة بلينكن إلى باريس التي وصفها السفير الفرنسي في واشنطن، فيليب إتيان، بأنها «مهمة جداً لإعادة بناء الثقة المفقودة»، مع تعالي الأصوات أوروبياً بضرورة تعزيز الدفاع الاستراتيجي الأوروبي بعيداً عن المظلة الأمريكية.

وعلى الرغم من مسارعة الخارجية الفرنسية والإليزيه إلى وضع زيارة الضيف الأمريكي في إطار تداعيات صفقة الغواصات، وما يستدعيه ذلك من البحث في تحديد الخطوات اللازمة لعودة الثقة إلى سابق عهدها، فإن مسؤولاً أمريكياً رفيعاً أشاد باللقاء الإيجابي والمثمر، مشيراً إلى وجود فرصة لاستمرار التنسيق بين الجانبين خاصة في المجال العسكري.

وقد أقحم لقاء الوزير الأمريكي مع الرئيس الفرنسي على جدول أعمال الأخير في محاولة لمنح الزيارة أهميتها التي تستحقها فرنسياً على الأقل، لجهة إزالة غيوم «أوكوس» والحفاظ على فرصة لقاء الرئيسين الأمريكي والفرنسي المتوقع على هامش قمة مجموعة العشرين التي ستنعقد في روما نهاية الشهر الجاري.

لكن من سوء حظ ماكرون الذي يسعى بكل ما أوتي من رصيد سياسي لتجميع أكبر عدد من الأوراق الاستراتيجية لضمان فوزه في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، لا تقف كل الدول الأوروبية على نفس المسافة من واشنطن، ما يفقد هذه الورقة زخمها على المسرح السياسي الفرنسي الساخن.

انقسام أوروبي

وفي الوقت الذي يتزايد فيه الحديث عن الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي وضمان أمن أوروبا بعيداً عن دعم الولايات المتحدة، لا تزال دول الاتحاد منقسمة حيال الخطوة المقبلة، حيث يتمسك الأوربيون الشرقيون بضرورة الحفاظ على العلاقات المتينة مع حلف شمال الأطلسي، بينما تبدو باريس مستعدة للمساومة إذا تحققت لها بعض المطالب، مثل تعزيز الدعم الأمريكي لعملياتها في منطقة الساحل الإفريقي.

من جانب آخر فهمت الخطوة الأمريكية الخاصة بالتحالف مع أستراليا وبريطانيا، في بعض العواصم الأوروبية على أنها محاولة لتحييد الدور الأوروبي في منطقة المحيطين الهندي والهادي. وهناك من ربط بين أزمة الغواصات والانسحاب الأمريكي المتسرع من أفغانستان، وما نتج عنه من تصدعات في التحالف الغربي استدعت التركيز من جديد على الدفاع الاستراتيجي الأوروبي، وهو ما يفهم من دعوة رئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشيل، إلى الشروع في حوار استراتيجي حول دور الاتحاد الأوروبي على الساحة الدولية.

وقد شرع الأوربيون فعلاً في حوار حول إنشاء قوة تدخل سريع منذ خمسة أشهر، زادت الحماسة لها بعد انسحاب الأمريكيين من أفغانستان. وقد أعرب وزير خارجية الاتحاد جوزيب بوريل، عن قناعته بالحاجة الملحة لتطوير دفاعات الاتحاد الأوروبي، بينما تعالت أصوات قيادية تطالب بإنشاء قوة دفاع مخصصة للتدخل عند الأزمات تضمن دوراً فاعلاً في مواجهة أزمات مستقبلية من مثل ما حدث في أفغانستان، وتعزيز الثقل السياسي لبروكسل، بحيث يوازي ما هو مطلوب منها دبلوماسياً واقتصادياً، لكن على الرغم من ارتفاع مؤشرات الحماس فشل قادة الاتحاد في التوصل إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف حول تشكيل قوة الردع المنشودة.

وتجلت الانقسامات بشكل سافر في قمة سلوفينيا الأسبوع الماضي التي حثت فرنسا الجميع على المشاركة فيها، وحضرتها وفود 27 دولة أعضاء. والحقيقة أنه على الرغم من الحرص والتحفيز الفرنسي ووجاهة الأسباب، تمسكت دول المجموعة الشرقية بمواقفها التي عكست مخاوف من تمدد روسيا، وهو ما يتطلب من وجهة نظر هذه المجموعة، الحفاظ على مظلة حلف شمال الأطلسي وتعزيز القوة الأوروبية في آن واحد. وترى دول فاعلة مثل ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا، أنه قد حان الوقت لتطوير وسائل وآليات الدفاع الأوروبية بعيداً عن الحماية الأمريكية ومظلة «الناتو».

لكن لا يبدو أن الفرنسيين لا يعلقون كبير أمل على زيارة بلينكن، خاصة الرئيس ماكرون. فقد سارع وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير، إلى دعوة الأوروبيين إلى اليقظة حيال ضرورة بناء الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي؛ لأن تجربة أفغانستان والغواصات تؤكد من جديد أن الاعتماد على الأمريكيين لم يعد مطمئناً؛ لأن لديهم هدفاً استراتيجياً واحداً هو احتواء الخطر الصيني.

وقال لومير: «يعتقد الرئيسان ترامب وبايدن، أن حلفاء أمريكا يجب أن يسمعوا ويطيعوا. نحن نعتقد أننا يجب أن نكون مستقلين. لم يعد بإمكاننا الاعتماد إلا على أنفسنا».

وكانت وزيرة الدفاع الفرنسية فلورنس بارلي، قد وصفت السلوك الأمريكي بالأخرق، وأنه لم يكن مفاجئاً لأن واشنطن دأبت على مثل هذه الحركات منذ زمن طويل.

وإذا كانت فرنسا ترى أن هناك فرصة لتعميق التعاون مع واشنطن، فهي تعتقد أن الأمريكيين يجب أن يسارعوا إلى توفير الدعم لعمليات مكافحة الإرهاب في إفريقيا والاعتراف بالدور الفرنسي في منطقة المحيطين الهندي والهادي، وهذا ما لا يزال غامضاً في أدبيات الدبلوماسية الأوروبية قبل الأمريكية.

ولا يزال الخوف مما قد تحمله التطورات على الساحة العالمية، يشكل حافزاً على التريث في التصعيد بين واشنطن وباريس، خاصة إذا تطلبت المواجهة مع الصين تحركاً مشتركاً على جناح السرعة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/nzndyvve