مفارقات تدريس الإبداع

00:20 صباحا
قراءة دقيقتين

هل يمكن تدريس الابتكار والاختراع والإبداع؟ قد يرى علماء التربية مثل هذا السؤال طرفة، وإلاّ عدّوه حماقة. سيقولون وهم يلوّون رؤوسهم: أوَ تظن الإبداع مهارة يتعلمها الإنسان فيتقنها؟ قد يكون الاستدلال منطقياً، فلا دليل على أن العربية لم تعرف من هو أعلم بعلوم اللغة من أبي العلاء، أو من هو في تبحّره، لكن تاريخ لغتنا وأدبنا لم يأت بمن يدانيه، ولا يضاهيه قطعاً، في ألوان طيف نبوغه. في الموسيقى السيمفونية، لا تستطيع المرور من باخ إلى بيتهوفن مباشرة، فموتزارت سيكون الحلقة المفقودة، الجسر الموضوعي المفقود.
هل كانت للماركسيين حاسة شم زرقاء اليماموية نوستراداموسية، حين آثروا في ميادين الآداب والفنون، استخدام كلمة «إنتاج»، على مفردة «إبداع»، تحاشياً للأبعاد الغيبية الماورائية أو الفوق بشرية؟ الإبداع مرتبط بالخلق، وفيه إلهام. كانت لديهم رؤية بعيدة المدى، فقد أشرقت شمس الزمن الذي صار فيه الذكاء الاصطناعي يضطلع بأعمال هي في صميم الإبداع الفني، في الموسيقى والتشكيل. 
ههنا المخمصة الفلسفية الاستشرافية: إذا غدت الآلة الذكية قادرة على «إنتاج الإبداع»، فهل ستوجد فوارق بين «المنتجات الإبداعية»؟ مفارقات الاحتمالات شتى. مثلاً: نأخذ آلتين ذكيتين، إحداهما نغذيها بالأعمال الكاملة للمؤلفين الموسيقيين: هايدن، تشايكوفسكي، جورج بيزيه، والأخرى بمجموع آثار فيفالدي، كارل نيلسون، إدوارد إلجار. هل ستكون ثمرات الإنتاج الإبداعي لدى الذكاء الاصطناعي الأول بمذاق ألماني، روسي، فرنسي، ولدى الآخر بطعم إيطالي، دنماركي، بريطاني؟ وكيف ستكون العجائب، إذا أخذنا آلتين متطابقتين بالذرة في المكونات الصلبة والبرمجيات، والأعمال الموسيقية ذاتها بلا زيادة أو نقصان، فهل سيتفوق ذكاء اصطناعي على آخر؟ في فئة الأعمال الأولى، هل سيكون تأثير أحد الموسيقيين أكبر؟ وماذا عن مستوى الإبداع؟ وهل يمكن أن يخرج الاصطناعي برائعة درّة يتيمة؟ عوداً على بدء. المقصود من التزحلق في الموضوع، هو أن «الإنتاج الإبداع» الذي ينجزه الذكاء الاصطناعي، لا غيبيات إلهامية فيه ولا جنيات وادي عبقر، فكل ما هنالك خوارزميات، ضمن حلقات ومراحل ومستويات من التعلم العميق، التعلم الآلي، فلا شك في أن الآلة لا يمكن أن تكون أقدر على التعلم من الذكاء البيولوجي. على المناهج أن تعيد النظر جذرياً في مفهوم التعليم والتربية. لا ينصرفنّ الذهن إلى أن المبحث خاص بالموسيقى.
لزوم ما يلزم: النتيجة التركيزية: المنطلق السليم في العلوم العصبية، إدراك القدرات الخارقة في تشابكات دماغ الطفل. تدريس الإبداع ممكن إذاً.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"