إطلاق النار على الفلسفة

00:28 صباحا
قراءة دقيقتين

يجمع الفلاسفة المسلمون بين الفلك والرياضيات والهندسة والمنطق واللغة والطب والموسيقى إلى جانب الفلسفة، ففي الفيلسوف الواحد أكثر من عالم أو أكثر من علم، لكن كل هذه الحقول العلمية والمعرفية يَصبّ رحيقُها في شجرة واحدة، أو في قارورة واحدة هي الفلسفة.
في الرياضيات ثمة فلسفة، وثمة فلسفة في علوم الجبر والكيمياء والفيزياء، غير أن أكثر ما يجذب الفيلسوف المسلم الموسيقى والطب: الفارابي، والكندي، وابن باجه، وابن التلميذ كانوا موسيقيين أو اشتغلوا في علم الموسيقى، وفي الطب اشتغل: الكندي، والفارابي، وابن الهيثم، وابن حزم، وابن رشد، وابن النفيس، وإذا اعتبرت الوزن الشعري العروضي من ضمن عائلة الموسيقى، فقد أَلَّف بل نَظَّر الفارابي وابن سينا في الوزن والقافية أكثر أو أعمق ممّا ألَّفَ وَنَظَّر الخليل بن أحمد الفراهيدي.
الإيقاع الموسيقي، والإيقاع الشعري كما ترى الدكتورة ألفت كمال الروبي في كتابها الرائع «نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين من الكندي حتى ابن رشد» هما حقلان متاحان تماماً للفلاسفة على أساس «أن الشعر مادته الحروف والكلمات، وأن الموسيقى مادّتها الأنغام»، وتقول أيضاً: « يلتقي الوزن الشعري، وهو الإيقاع في الشعر عند الفلاسفة، مع الموسيقى في سمة التناسب، التي تتمثل في تعاقب الحركة والسكون على نحو مُنظّم وبنسب معلومة في كل جزء من أجزاء القول أو النغم داخل الفاصلة الواحدة من فواصل القول أو النغم..».
توصيف ثقافي وإيقاعي وموسيقي في قمة الدقّة والعلمية والجمالية سعت إليه الدكتورة الروبي في كتابها المرجعي هذا الذي صدرت الطبعة الأولى منه عام 1983، أي في ذروة صعود قصيدة التفعيلة بشكل خاص، وهي قصيدة «موسيقية» وزنية، إيقاعية استطاعت آنذاك أن تجمع بين ما هو ملحمي درامي، وقصيدة الحالة أو ما تسمى قصيدة «اللقطة» أو «اللحظة الشعرية».
أجل، شعر التفعيلة العربي من أواسط السبعينات، وحتى أواسط التسعينات كان شعر الموسيقى المثقفة والإيقاع المثقّف. كانت التفعيلة لا تقبل أي خدش أو كسر لبنيتها الموسيقية الإيقاعية، وكان الوزن نظاماً موسيقياً دقيقاً وعلمياً، وليس سلطة أو قيداً أو طاغية عروضية، وفي ضوء هذا الفهم للشعر وموسيقاه ظهرت آنذاك مقاربات رفيعة الأهمية البحثية هو بحث الدكتورة الروبي عن خيوط العلاقة بين الشعر والفلسفة.
ينجذب الفيلسوف إلى الموسيقى ليتأمّل ما كان قد فَكَّر فيه عقلياً وروحياً وقلبياً، والموسيقى راحة للعقل كما هي راحة للروح وللجسد
في الطب فلسفة، وفي الطب نوع من الخَلاص، إذا جمع الطبيب بين الفلسفة وروح الموسيقى لا بمعناها الإيقاعي، بل، بالمعنى الرّوحي والعقلي والعلمي.
تعلّق الإنسان بالطب والموسيقى.. الطب لكي يظل في عافيته الجسدية، والموسيقى لكي يظل في عافيته الرّوحية، لكنه نسي أو تجاهل الفلسفة.
في رواية «دفاتر الورّاق» للكاتب الأردني جلال برجس، يذهب بطل الرواية إلى موسكو لدراسة الطب، لكي يصبح حكيماً بحسب إرادة ورغبة أبيه، لكنه في موسكو يترك دراسة الطب ويتحوّل إلى الفلسفة، وعندما عاد إلى دياره، ويعرف والده أنه ليس حكيماً (طبيباً) يطلق عليه النار.
في الحقيقة، أطلق الرجل النار على الفلسفة.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/854x5nbw