الحبّ فكرة

00:41 صباحا
قراءة دقيقتين

د. حسن مدن

كثيرة هي الكتب المكرّسة للحب. كثيرة، كذلك، هي أفلام السينما والمسرحيّات التي تناولته، وكثيرة أيضاً هي الروايات والأشعار التي كان الحب موضوعها، فهل من جديد يقال عنه؟، هل لكاتب جديد أن يقول ما لم يقله الأولون؟.
قبل أن نشرع في محاولة الإجابة عن هذا السؤال يجدر بنا الوقوف، أولاً، عند قول للفيلسوف الفرنسي، آلان باديو يكاد يبدد انطباعنا بأن الأدب قال الكثير عن الحب، برأيه فإن الصحيح هو العكس تماماً. «الأدب يحتوي القليل عن الحب في ما يخص خبرة استمراريته خلال الزمن»، هذه كلمات باديو في كتابه «في مدح الحب»، الذي هو عبارة عن مجموعة حوارات أجريت معه تدور حول نفس الموضوع، ما يوقع القراء المبهورين في روايات وقصص الحب عبر التاريخ في حيرة من أمرهم.
بالمقابل يرى باديو أن علاقة الفن بموضوع الحب مختلفة عن علاقة الأدب به. فهي، برأيه، علاقة وثيقة، بما أنه «لا يوجد قانون للحب»، وبما أن الفن ليس سوى تأمل عظيم للحدث كما هو، فاللوحة الفنية هي القبض على شيء ما لا يمكن اختصاره، وبهذا يكون الرجل يوحي لنا بأن الحب هو من طراز الأمور التي لا يمكن اختصارها؛ لذا فإن الفن، بالذات، هو الفضاء الأنسب للتعبير عنه.
«ذاكرة الحب تمحو كل الذكريات السيئة»، هذا ما يقوله جابرييل ماركيز في روايته: «الحب في زمن الكوليرا»، ليصبح: «زهور على طول وشموع على طول»، برأي أم كلثوم، لكن آلان باديو رجل منشغل بالفلسفة، لذلك فإنه اعتنى بالمقاربة الفلسفية للموضوع، رغم أنه لا يخفي ولعه بالمسرح أيضاً، الذي قد يكون أكثر قوة من ولعه بالفلسفة، التي أحبّها لاحقاً، فحبه الأول كان للمسرح، «وما الحب إلا للحبيب الأول»، لكن الفلسفة هي التي جعلته مأخوذاً بتعريف منسوب إلى شاعر برتغالي شهير فيه يقول: «الحب فكرة»، التي بدت لباديو منطوية على مفارقة؛ لأن الحب، حسب الفهم السائد، هو المشاعر والرغبات، أي «إنه كل شيء إلا أن يكون عقلاً أو فكرة».
لتأكيد تبنيه لمقولة الشاعر البرتغالي عن كون «الحب فكرة»، يعود باديو إلى الفلسفة الإغريقية القديمة، إلى افلاطون الذي منه يقتطف قوله: «حين نتحدث عن موضوع الحب نفترض أن المحب مأخوذ بالأمر في كليته، لا نسمح لحبه أن يختار جزءاً منه ويرفض الآخر».
لن نجد خلاصة لهذا الحديث أبلغ من عبارة لباديو أتت في سياق الحديث لا في نهايته، والقائلة: «إن الشخص الذي لا يتخذ الحب نقطة بداية له لن يعرف أبداً ما هي الفلسفة».
[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/458yrmsp