عادي

خوان مياس.. روائي يهرب من فخاخ الواقع

خيال محلق ينتصر للجمال
21:58 مساء
قراءة 3 دقائق
2401

تجاوزت كتابات الروائي الإسباني خوان خوسيه مياس في القصة والرواية المعنى الضيق للزمن والحدث، كما تجاوزت المكان المحدود، لأنها كتابة تلتفت إلى ما هو إنساني وبسيط ويومي، كما تنتصر للخيال والفلسفة، ف «مياس» – كما يقول المترجم أحمد عبد اللطيف – لم يقع في الفخ، رغم أنه غالباً ما يتحدث عن فخ الحرب الأهلية الإسبانية، والكتابة عنها.

ربما يكون مياس واحداً من كتاب قلائل انحازوا لجماليات الفن، مهما كانت نتيجة ذلك، ومهما كان الثمن الذي يدفعونه، والثمن في هذه الحالة تجاهل القراء والنقاد لكتابته، لخروجه عن المألوف، لكنه كان محظوظاً، حقق ما أراده في الكتابة بإخلاص تام لتصوراته، ونال حظاً وافراً في القراءة والنقد، ورهانه الكبير كان عدم التورط في حدث زائل، رهانه كان هجر هذه الأرض المزروعة سلفاً، بثيمات الحرب الأهلية والأزمات الاجتماعية والسياسية، من أجل حرث أرض جديدة.

ولد خوان خوسيه مياس عام 1945 في الفترة التي تلت الحرب الأهلية الإسبانية التي امتدت من عام 1936 إلى 1939 وتحديداً أثناء حكم الجنرال فرانكو الذي حكم البلاد بالحديد والنار، فكان حكمه سبباً في تراجع إسبانيا عن بقية أوروبا، وتأخر الديمقراطية بها، كانت فترة شهدت كل أنواع القمع والمصادرة والنفي، حينها هاجر العديد من الكتاب إلى دول أخرى يستطيعون الكتابة فيها بحرية، كما هاجر الكثير من اليساريين والنشطاء بعد تضييق الخناق عليهم ومطاردتهم.

منشورات مؤدلجة

الكتابة عن هذه الفترة – كما يوضح عبد اللطيف – كانت الفخ، إذ شعر كل كاتب بأن دوره أن يسجل ما قد لا يسجله التاريخ، وما تعجز الصحافة عن تغطيته، حينها تحول العمل الفني إلى منشور سياسي وفقد السرد في كثير من حالاته معناه الجمالي ليقع في فخ المباشرة، قامت الرواية الإسبانية بدور الصحافة والتأريخ في تلك الفترة، وتخلت عن وظيفتها التي من أجلها ظهر الأدب في العالم منذ أن كان حكاية تروى إلى أن أصبح فناً مستقلاً على يدي ثيربانتس.

من هنا تأتي أهمية مياس، فالكاتب الذي عاش ما يقرب من ثلاثين عاماً تحت نظام فرانكو ونشر روايته الأولى في السنوات الأخيرة من هذا الحكم، أدرك أن فن الرواية أرحب، بل أهم من تلخيصه في لقطات كاميرا للأحداث الراهنة، كما أدرك الفخ الذي وقع فيه السابقون عليه، هنا اختار طريقاً آخر ينتصر للفردية، ويخاصم الرأي العام والحس الجمعي، لم يكن – ولا يزال – مشغولاً بتكوين ذاكرة تاريخية عن حقب بعينها، فكان طريقه للوصول إلى المعاني الكبرى عبر أحداث يومية مألوفة.

بذلك أسس مياس أو أعاد الاعتبار للرواية الإسبانية بعد أن تخلت الرواية عن أهم مزاياها، وتحولت إلى رواية توثيقية في فترة سابقة، بل إنه ضرب عمق الرواية الإسبانية في مقتل، ليس بغرض القضاء عليها، بل فتح طرق جديدة لمعرفة العالم والإنسان والفرد التائه في هذا العالم الواسع، خيال مياس قادر على أن يكتب عن «ذاكرة رجل آخر» فيحكي عن رجل استعار ذاكرة رجل لا يعرفه، ذاكرة يتعرف من خلالها على زوجة لم يرها، وأبناء لم ينجبهم، ومدن لم يزرها، وفي النهاية يتذوق تراب القبر قبل أن يرحل عن الحياة.

في رواية «الجزء الخلفي» يروي مياس قصة العالم عندما يراه بالمقلوب، يرى الناس من ظهورهم، والبنايات من جزئها الخلفي، والشوارع من الطرق المهجورة، إنها الفانتازيا ابنة الواقع التي تحيل إليه وتساعد على تفسيره، أو على الأقل محاولة التعرف إليه من زوايا أخرى، مستخدماً في ذلك أسلوبية بسيطة في تركيبها، أدبية في عمقها لتحتل الفلسفة الحكاية الأخرى التي لم يروها، حكاية يؤسس لها بتأسيس اللغة والفضاء الذي لا يؤدي إلى هدف.

فضاء مختلف

هنا تتشابه كثيراً روايات مياس وتبدو كأنها رواية واحدة لكاتب واحد، في «هكذا كانت الوحدة» تدور البطلة في فضاء يختلف عن الفضاءات المحيطة أو يفصل بينهما زجاج، تفتقد الشفرة التي من خلالها يمكن أن تندمج في العالم، وتنطلق الرواية من حادثة موت أمها.

الرواية عند مياس تنطلق من حادث تراجيدي، كأن الحياة في حالة ركود إلى أن تأتي المأساة لتحركها، والأبطال عادة ما يجسدون الإنسان الحديث الذي يعاني الوحدة، بقدر ما يعاني النفور من البشر في العالم، يتساءل مياس عن الحلم هل هو واقع أم خيال؟، عن مئات الأشياء التي تشكل حياتنا اليومية، ومن كثرة ما ألفناها، اعتبرناها واقعاً، غير أنها ليست كذلك بالضبط، الحقيقي والمزيف سؤال يتكرر داخل أعمال مياس، ويتضح بشدة في روايته «لاورا وخوليو» التي ترجمها إلى العربية أحمد عبد اللطيف، فالخير والشر، الداخل والخارج، الحقيقي والمزيف، هذه المعاني والثنائيات تتشكل بطريقة غير مباشرة، عبر الحكايات الصغيرة، التي يسربها في الرواية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"