مثقفون مستبدّون

00:48 صباحا
قراءة دقيقتين

يحيى زكي

دائماً ما يصور المثقف نفسه كداعية للديمقراطية والحوار والدفاع عن الرأي الآخر، ويرفع الكثير من المثقفين مقولة فولتير «أختلف معك في الرأي، ولكني مستعد أن أدفع حياتي ثمناً لحقّك في التعبير عن رأيك»، أو يردّدون عبارة «الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية»، ولكن بعيداً عن الصورة التي يروجونها عن أنفسهم والشعارات التي يرددونها، هل كان الواقع على هذا النحو؟ أي هل كان المثقف دائماً منحازاً لحرية الرأي مها اختلفت عن قناعاته؟

إن إلقاء نظرة سريعة على تاريخ المثقفين تؤكد أنهم لم يكونوا في كل الأحوال مع حرية التعبير، بل ووقفوا كثيراً ضد الحوار، والنماذج كثيرة، والمواقف معبرة ومتنوعة، بداية من لغة الإقصاء في الأدب والنقد بين مختلف التيارات، ومعارك تكسير العظام التي دارت في هذا الإطار، وليس نهاية بالتعاون مع أنظمة فاشية والترويج لأفكارها، ومروراً بشعور يهيمن على بعض المثقفين بالاستعلاء على البسطاء، أو ما يُطلق عليه تخفيفاً «النخبوية».

إن تعاون بعض المفكرين مع النازي والأنظمة الديكتاتورية معروف، أما وصف الفيلسوف الفرنسي جان بودريار لأحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 بأنه «حلم تحقق» فيحتاج إلى مراجعات شتى، فمهما كان الموقف من سياسات الولايات المتحدة، فهل يجوز وصف ذلك العمل الإرهابي بالحلم؟ وهنا ربما يرى البعض أن نفي الآخرين والأدلجة المفرطة والتشبث بالقناعات هي سمات لمثقفين ينتمون إلى أقصى اليمين، ولكن ماذا عن أجيال من المثقفين اليساريين الذين رفضوا كل من لا يؤمن بأفكارهم؟ وكيف نصنف جان بودريار نفسه؟ بل كيف نصنف فلاسفة نظّروا للأفكار الإقصائية؟ نحن ننسى دائماً عندما نتحدث عن الثقافة والمثقفين ب«صورة وردية» أن أكثر الأفكار تطرفاً ذات خلفية ثقافية، ورسختها أسماء ينظر إليهم الكثير منا بوصفها قامات في تاريخ الفكر الإنساني.

وإذا تركنا المواقف الواضحة والمعلن عنها، وانتقلنا إلى اللغة، وهي أداة التأثير الخفي الذي يتسلل بقوة إلى لا وعي القارئ، سنجد أن قلة من المثقفين هي من تكتب بلغة ديمقراطية.. حوارية تختفي فيها تعبيرات الجزم والتوكيد، بينما تهيمن لغة أخرى تمتلئ بمفردات الكاتب العليم بكل شيء، وبخفايا الأمور.. الأكثر قراءة وإطلاعاً والأوسع تجربة، هنا ستصادفنا كلمات مثل: «ينبغي»، و«لا بد»، و«من المعروف»، هي لغة تقنع القارئ بأن ما يقوله المثقف هو الحقيقة الوحيدة ووجهة النظر الصائبة التي عليه الأخذ بها، وهي لغة بالمناسبة تنتشر حتى بين من يصفون أنفسهم بالمثقفين الليبراليين، ويستخدمها أيضاً معظم الكتاب ممن لا يصنفون أنفسهم كمثقفين- مفهوم المثقف لا يزال ملتبساً، خاصة في الساحة العربية -، وذلك يعود إلى تأثر الجميع بمثقفين لا يتركون في كتاباتهم مساحة للقارئ لكي يناقش أفكارهم، أو يعترض عليها حتى بينه وبين نفسه.

هل كل المثقفين مستبدون؟ بالتأكيد لا، هناك بالتأكيد من يؤمن بحرية الرأي ولا يتمسك بموقفه حتى النهاية، ولكن الكثيرين منهم لا يتسمون بكل تلك الصفات «الملائكية» التي يطلقونها على أنفسهم، وتتناقض مع مواقفهم على أرض الواقع.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/nud3nsm7