تونس جديدة

00:23 صباحا
قراءة دقيقتين
افتتاحية الخليج

تبدو تونس أمام مشهد جديد تماماً بعد الإعلان عن تشكيل حكومة برئاسة نجلاء بودن، من 24 وزيراً، من بينهم عشر وزيرات، في سابقة هي الأولى في تاريخ تونس، من حيث رئاسة الحكومة والنساء المشاركات فيها. لكن الأهم أن الرئيس قيس سعيّد نسف قواعد اللعبة القديمة في تشكيل الحكومات والتي كانت تقوم على المحاصصة السياسية والائتلافات السياسية المشبوهة التي عاثت فساداً ونهباً للمال العام طيلة السنوات التي تلت الثورة الشعبية عام 2010، كما أنه أبعد الأحزاب عنها لتمكينها من العمل، ومواجهة جبل من التحديات الاقتصادية والاجتماعية.

لقد أسالت قرارات الرئيس التونسي سيلاً من الحبر، وأثارت الكثير من التساؤلات والجدل بين الذين وصفوا قراراته ب«الشجاعة»، والذين وصفوها ب«الانقلابية»، والحقيقة أنها كانت مزيجاً من التوصيفين، فهي شجاعة لأنه أقدم على خطوة متميزة وفريدة في اختيار حكومته، وانقلابية لأنه قطع تماماً مع المنظومة السياسية السابقة، وأسقط كل حسابات الذين كانوا يراهنون على أنه لن يتمكن من تجاوز واقع حزبي رسّخ أقدامه وبات قدراً لا مفر منه على الشعب التونسي.

في اجتماعه الأخير مع رئيسة الحكومة بعد تشكيلها، دعا سعيّد إلى «ضرورة تخفيض الأسعار والتصدي لكل أشكال المضاربة والاحتكار بالوسائل القانونية»، وأكد أنه «لا مجال مستقبلاً لتجويع الشعب التونسي أو التنكيل به»، داعياً إلى «قيام الحكومة بدورها كاملاً في مواجهة كل التجاوزات ومقاومة الفساد». وهو بذلك يلامس المطالب الشعبية الحياتية، ويرى أنه لا بد من تلبيتها لإبعاد شبح الجوع والفقر الذي بات ضرورة ملحّة لإعطاء الحكومة المشروعية الشعبية، وإعطاء قراراته بتجميد عمل مجلس النواب وصرف حكومة الشيشي المشروعية الدستورية، مادامت فشلت في تلبية الحاجات الأساسية للمواطنين، كما فشلت في لجم الفساد المستشري.

ولعل البعض يتساءل الآن عن دور مجلس النواب الذي علّقت مهامه بموجب «التدابير الاستثنائية» التي اتخذها سعيّد يوم 25 يوليو/ تموز الماضي. والجواب أن هذا البرلمان الذي كان في عهدة جماعة «الإخوان» ممثلة في «حركة النهضة»، ورئيسها راشد الغنوشي، كان شريكاً في فشل عمل المؤسسات، وأيضاً الفشل في أن يكون السلطة التشريعية التي تأخذ هموم المواطن ومصلحة الوطن في الحسبان. ويمكن القول إن هذا البرلمان انتهت صلاحيته، وبات لا لزوم له، خصوصاً أن عدداً من النواب غادروا البلاد هرباً من المحاسبة، ومنهم من يقبع في السجن، ومنهم من هم ملاحقون قضائياً، ومنهم من يرفض عودة البرلمان في صيغته السابقة. لذا، فمن المنتظر أن يواصل الرئيس سعيّد مهمته الإصلاحية بتعديل الدستور، ووضع قانون انتخابي جديد تمهيداً لانتخابات جديدة، على أن يعرض ذلك في استفتاء شعبي يحصّنها، ويمنحها الشرعية الدستورية.

إننا في الواقع أمام تونس جديدة، تعيد ثورة الياسمين إلى الطريق الصحيح بعد أن سرقها «الإخوان» طيلة 11 عاماً.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"