عكس السير لتدريس أدبنا

00:14 صباحا
قراءة دقيقتين

ما هي التمهيدات الضرورية، قبل تطوير تدريس العربية وآدابها؟ ثمة حواجز نفسية يجب تجاوزها: نحن أصحاب اللغة وملّاكها، للقدامى حقهم ولنا حقنا. الخليل، سيبويه، الفرّاء، ابن جني.. لم تكن لديهم صكوك ملكية لغوية فوق ما لفقهاء لغتنا الأفاضل اليوم.
كيف يريد الأستاذ واضع المناهج، أن يدرّس الشعر الجاهلي، لمراهق في القرن الحادي والعشرين، إبهاماه يخطفان البصر على لوحة مفاتيح الجوال، واللوح الحاسوبي النقال؟ معذرة، الحاسوب اللوحي، كما جاء في «شرح المعلوماتية على متن البرمجية»، لابن أبي معالج البيانات. أرأيت كيف يسخر صفي الدين الحلي من التقعّر اللغوي؟ تأمل كلمة «تقعّر» وتجذيرها.
قلت للقلم: ما يختلج في ذهنك جدير بالتفكّر: لم لا نلعب في المناهج لعبة آلة الزمن؟ في مقرر الأدب العربي، نمتطي قطار عكس سير الزمن، من تاريخنا الحديث إلى الأندلس، ثم الدولة العباسية، العهد الأموي، فالأدب الجاهلي، فلا يبلغ الطالب أشعار الجاهليين إلا في الجامعة. آنذاك يكون له من الإدراك ما يؤهله لاستيعاب ثقافة وذهنية ومنظومة قيم، لا يمكن فهم معطياتها إلا في إطار أنثروبولوجي، تُدرس فيه بحثاً وتحليلاً، مكونات طريقة التفكير في بيئة مختلفة، من خلال منهجية تشمل الأدب، التاريخ، علم النفس الاجتماعي، نسبية الأخلاق والقيم.. ما يحمل القلم أحياناً على تجاوز دماثة التفكير، فيغامر بأن تدريس الأدب في العالم العربي مدرسيّ جداً، ساذج جداً، كأنه صفحات من «ويكيبيديا». 
مأساة فكرية، تدريس من هو خارج لتوه من المراهقة، نماذج من الشعر الجاهلي، كميراث ثقافي يبعث على الفخر أو يؤسس لثقافة هوية أو هوية ثقافية. هذا لا يكون منطقياً ومقبولاً بحال، إلاّ إذا رسمنا غايات أخرى لتدريس الأدب الجاهلي بالذات، كالبحث العلمي، وهذا خارج عن نطاق الإعدادية والثانوية. بالمناسبة، ألوان شتى من شعر العصور الإسلامية، هي أدب جاهلي القيم، في مقدمته الكثير من أشعار المتنبي وأبي تمام ومن تبعهما بتقليد. حين ندرّس هذا الأدب بلا مبالاة غاضّين الطرف، فإننا نشكل عجينة ذهنية على غراره، فالاعتزاز بالقدرة على الظلم، يربّي مستبدين، وكل ظالم هو أول من يقبل ظلم من هو أشد ظلماً.
لزوم ما يلزم: النتيجة التربوية: ليس الحل غربلة الجذور الثقافية، لكن الحل اختيار الوقت والأسلوب المناسبين للطرح والشرح، ليشاد الصرح.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"