الخلايا النائمة في الغزل

00:15 صباحا
قراءة دقيقتين

هل رنّ في ذهنك جرس العبارة في العمود أمس: «ألوان شتى من شعر العصور الإسلامية، هي أدب جاهلي القيم». هذا غير صحيح، فالأصوب هو أنه من النادر وجود شاعر في أيّ عصر إسلامي، ليس في شعره قيم جاهلية. هنا يجب وصل ما انفصل في عمود الأمس. مع الأوامر التي لها قوة التشريع، الواردة ضمن وثيقة «مبادئ الخمسين»، صار تطوير التعليم في دولة الإمارات قراراً نافذاً. لا بد من إبداء الرأي، ولتأخذه الجهات المختصة على محمل الاستباق والوقاية وما تنفع معرفته ولا تضر.
دماغ الطالب المتلقي لا هو وعاء فلا يتأثر، ولا هو ماسحة ضوئية فتنتهي العلاقة بالممسوح بمجرد أداء المسح. أعظم درس وعبرة ومبدأ تربوي، على واضعي المناهج الأدبية وضعه نصب العين، هو أن تأثير الشعر، الذي تسمعه فتهتف: آه، الله، يمكن أن يستمر خمسة عشر قرناً، ويزيد. ليس مستبعداً في رأي القلم أن يكتشف علماء الأحياء والوراثة والعلوم العصبية، في مقبل السنين، أن «عدوى» التقاليد الأسلوبية في الشكل والمضمون، تنتقل في أدمغة الشعراء عبر تشكيل ما يشبه الخلايا النائمة، كجزيئات كيمياوية، بروتينات، هورمونات... وإلاّ فكيف يمكن تفسير أن قروناً من الشعراء سلكوا فيها دروباً بعينها، كأن قرائحهم لها أواصر جينية؟ 
شاعر جاهلي مجهول سنّ «دستور» الوقوف على الأطلال، فسارت على نهجه أجيال. من يدري من هو ذلك الذي تدفقت قريحته في الجاهلية الأولى بمطلع غزلي في قصيدة متعددة الأغراض، وإذا بشطحة جنيته تصير قانوناً لأكبر شعراء الغزل وغير الغزل عبر القرون؟ الشاعر الجاهلي مايسترو الشعر لكل العصور. 
أليس عجيباً أن باشا مثل شوقي، تتوشح صور خياله الشعري بهذا المشهد: «ريم على القاع بين البان والعلم.. أحل سفك دمي في الأشهر الحُرُم»؟ نعم؟ أحلّ سفك دمك في الأشهر الحرم؟ معذرة، أمير شعرائنا، كم من مليون عربي صاحوا: الله، يا سلام. احذروا يا واضعي المناهج. أهكذا هو الإمتاع الغزلي؟ ما رأيك في عذوبة الغزل الأندلسي؟ تأمل رقة الأمير شهاب الدين الأعزازي: «ردّ منّا القلوب منكسراتٍ.. كلما راح كاسراً أجفانهْ... وغزانا بقامة وبعينٍ.. تلك سيّافة وذي طعّانةْ».
لزوم ما يلزم: النتيجة النظريّة: تاريخ الأدب في البحوث العلمية سهول أطلق فيها خيولك، أمّا مناهج التربية والتعليم، فهي أشبه بالأدوية في الصيدلية، يجب أن تعرف بالضبط تأثير كل واحد ومفعوله.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"