شبح التضخم

00:02 صباحا
قراءة دقيقتين

ماذا يحدث في اقتصادات العالم؟
 لأول مرة منذ عقود تواجه السياسات النقدية في الدول الصناعية ومعها بقية دول العالم، معضلة قلّ نظيرها؛ تتلخص في ارتفاع التضخم بالتوازي مع ضعف النمو، وهو أمر نادر الحدوث، حيث يفترض أن يتحقق التضخم عادة في ظل نمو اقتصادي متسارع.
جرت العادة أن يترافق مع أي نمو اقتصادي ارتفاع في الأسعار، بسبب تحسن الطلب، ما يدفع التضخم إلى مستويات أعلى، لكن أن تتحقق الارتفاعات السعرية في ظل ضعف الاقتصاد، فهذا يعني أننا مقبلون على مشكلة ستفاقم من هذا الضعف، حيث يتقلص الطلب عندما تنخفض قدرة المستهلكين على الشراء، بسبب ضغوط دخلهم.
هذه المعضلة تجعل البنوك المركزية  في العالم  حائرة في استخدام سلاح الفائدة، فهي في الوقت الذي لا تستطيع فيه رفعها في ظل أوضاع اقتصادية مرهقة وضعيفة النمو، بسبب تأثيرات جائحة «كورونا»، تواجه زيادة متسارعة في التضخم، تراوح بين ثلاثة وخمسة في المئة أيضاً بسبب «كورونا»، حيث ارتفعت بشدة أسعار المواد الخام، بينما سلاسل التوريد تواجه صعوبات جمّة.
في الأشهر الماضية راهن قادة السياسات النقدية على أن التضخم الذي نشهده مؤقت، بسبب ارتباك في سلاسل التوريد، لكنهم بدأوا يتراجعون إلى القول إن هذا التضخم وُجد ليبقى فترات أطول، قد تشمل عام 2021 بأكمله.
طبيعي جداً أن يرتفع التضخم، فالإنتاج العالمي تأثر بشدة ب«كورونا» التي عطلت المصانع لأشهر، وضغطت على الإنتاج، فارتفعت أسعار المواد الخام لأعلى مستوياتها منذ عقود، ما زاد كُلفة الإنتاج.
أما أسعار النفط فقفزت هي الأخرى لأعلى مستوياتها منذ سنوات، ما يعني امتداد الارتفاعات السعرية إلى قطاعات أوسع، حيث إن تأثير النفط أساسي وأوسع في الإنتاج والاستهلاك، وسط توقعات أن يتجاوز البرميل حاجز ال100 دولار بحلول الربع الأول من العام المقبل.
أمام هذه المعضلة، فإن المستهلكين هم الخاسرون الأساسيون، فأموالهم المودعة في البنوك تتبخر، حيث يفقدون قرابة 4٪ سنوياً مع فائدة إيداعات صفرية، وفي ضوء ضعف الاقتصاد يحجمون عن إطلاق مشاريع جديدة، ويتجهون عوضاً عن ذلك إلى استثمارها في الأصول على غرار (أسهم سندات العقار)، ما يجعل تلك الأصول تتضخم أيضاً؛ وهذه معضلة أخرى.
وإذا تحدثنا عن الإمارات، فالجميع بدأوا يلاحظون الارتفاعات السعرية في بعض القطاعات، وخاصة النقل والكهرباء، حيث تأثير النفط سريع، بينما أسعار السلع المستوردة آخذة في الزيادة مع ارتفاع المواد الخام، ما يزيد كُلفة الإنتاج، أما الإيجارات التي كانت «حائط صد» حتى الآن أمام التضخم، فإنها بدأت بالارتفاع.
التقرير الأخير للهيئة الاتحادية للتنافسية والإحصاء، أظهر ذلك جلياً، فالتضخم السنوي في الإمارات خلال أغسطس الماضي، ارتفع لأول مرة منذ يناير 2019، مسجلاً 0.55%، بعد أن ظل في النطاق السالب على مدار 31 شهراً.
شبح التضخم قادم.. وسيكون ثقيلاً هذه المرة، فاستعدوا وتأقلموا، والأفضل أن تستثمروا أموالكم بعيداً عن إيداعها في البنوك.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"