معركة «قاضي المرفأ»

00:37 صباحا
قراءة دقيقتين

بغض النظر عمن يقف وراء الأحداث الدامية التي شهدتها بيروت مؤخراً؛ حيث تضاربت الروايات إلى حد التناقض الجذري، فإن ما حدث ليس سوى جزء صغير من معركة كبيرة تدور رحاها حول التحقيق الجاري لكشف ملابسات جريمة انفجار مرفأ بيروت، والقاضي الذي يمكن أن يقود هذا التحقيق بشفافية وحيادية تامة بالنظر إلى طبيعة التركيبة الطائفية للمجتمع اللبناني.
 ملامح المعركة ارتسمت منذ اليوم الأول للجريمة التي هزت بيروت في 4 أغسطس/آب 2020 وأودت بحياة أكثر من 200 شخص، علاوة على أكثر من ستة آلاف جريح، وألحقت أضراراً في الممتلكات لنحو نصف سكان العاصمة اللبنانية، فقد استقالت حكومة حسان دياب بعد أسبوع على الانفجار، ولم تشكل حكومة جديدة إلا بعد نحو 13 شهراً، وسط حالة غير مسبوقة من الاحتقان والفوضى التي رافقت أسوأ أزمة اقتصادية ومالية واجتماعية عرفها لبنان عبر تاريخه.
 المعركة لم تقتصر على تشكيل الحكومة والشروط، والشروط المضادة، وإنما كان يرافقها حشد وتعبئة طائفية ومذهبية في كل الاتجاهات، كما أنها لم تكن معزولة عن التدخلات الخارجية والمصالح الإقليمية والدولية.
 ووسط هذه المعركة الكبيرة كانت تدور معارك صغيرة أسقطت منذ البداية، إمكانية القيام بتحقيق دولي في الجريمة بذريعة التدخل الخارجي، فيما تركزت الأنظار حول هوية المحقق العدلي الذي سيقود التحقيق، والذي ما أن بدأ استدعاء مسؤولين كبار في السلطة يتقدمهم حسان دياب ووزراء ونواب سابقين، كما فعل القاضي فادي صوان حتى تصدت له السلطة السياسة وقامت بتنحيته، واعترض البرلمان اللبناني على هذه الاستدعاءات، معتبراً أنها ليست من اختصاص القضاء العدلي، وإنما تمر عبره لنزع الحصانات وإحالتها إلى المحكمة الخاصة بالوزراء وكبار المسؤولين، فيما رفض وزير الداخلية السابق إعطاء الإذن باستدعاء المدير العام للأمن العام.
 والحقيقة أن السلطة المتنفذة تصدت بكل قوة لهذه الاستدعاءات لحماية نفسها، خاصة أن الكل متهم، والكل مسؤول عن بقاء نترات الأمنيوم لسنوات في مرفأ بيروت، بغض النظر عن كيفية حدوث الانفجار، وإن كان السؤال الأساسي يتمحور حول من أتى بهذه المتفجرات، في الأصل، إلى لبنان. 
 وتجددت المعركة مع تولي القاضي طارق البيطار مسؤولية التحقيق، واستكمال ما بدأه سلفه، والتلويح بتوجيه أصابع الاتهام إلى بعض هؤلاء، ما استدعى من قوى حزبية وسياسية، بالمقابل، اتهام القاضي بتسييس التحقيق والاستنسابية والمطالبة بتنحيته. من ضمن الحروب الصغيرة أن مجلس الوزراء لم يتمكن من إيجاد حل سياسي للمسألة، انطلاقاً من مبدأ فصل السلطات، لتنتقل المعركة إلى الشارع المحتقن والمعبأ والذي بات مهيأ لخوض «حروب صغيرة» ضمن المعركة الكبرى، من دون وجود أية ضمانة لعدم انزلاقها إلى «حرب أهلية» شاملة تغذيها ارتباطات ومصالح خارجية، كما حدث قبل أيام في منطقتي الطيونة - الشياح وعين الرمانة، بما لها من رمزية وبما شكلته من خطوط تماس سابقة لا أحد يرغب في إعادة إحيائها من جديد. والأسوأ هو أن معركة «قاضي المرفأ» لم تحل ولا تزال مستمرة.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"