الأخضر الذكي

00:47 صباحا
قراءة 3 دقائق

أما وقد بدأ العالم يسير على طريق التعايش مع وباء كورونا، يعود التفكير في القضايا الأساسية التي كان الكل مشغولاً بها قبل عام الوباء. صحيح أن هذا الوباء الكوني كان له تأثير أوسع وأعمق من أوبئة أخرى سابقة، لكن في الأغلب سينتهي به الأمر إلى مثل ما انتهت إليه فيروسات مماثلة مثل سارس وميرس وغيرها من فيروسات العائلة التاجية. ورغم التبعات الاقتصادية الهائلة لأزمة الوباء، إلا أن العالم بدأ يتعافى وبالتالي يسترد القدرة على العمل لتحقيق أهداف البشرية التي كانت ملحة قبل الوباء مباشرة.
 كانت القضية الرئيسية للبشرية هي مواجهة التغيرات المناخية والتحرك من الاحتباس الحراري المسبب لها والناجم عن نشاط البشر، خاصة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الجو. وبالطبع لذلك تبعات اقتصادية هائلة تتطلب ابتكار حلول غير مسبوقة، للحفاظ على مسار التنمية. ومع الأزمة التي نتجت عن عام وباء كورونا، توقع كثير من الاقتصاديين أن يكون الاستثمار في التكنولوجيا والمشروعات التي تحافظ على البيئة وتحد من انبعاثات الكربون الملوثة للمناخ، قاطرة للتعافي الاقتصادي العالمي. ومع إدارة أمريكية جديدة تهتم بمكافحة التغير المناخي، وتستعد للاستثمار في الاقتصاد الأخضر، يسود تفاؤل بأن هذا المجال سيكون الأكثر تطوراً في السنوات المقبلة.
 ومع أن منطقتنا، وخاصة في الخليج، هي مصدر رئيسي للنفط والغاز الذي يعد حتى الآن دينامو النمو الاقتصادي العالمي، إلا أن المرحلة القادمة تتطلب ليس فقط التحسب لتحول العالم عن هذا الوقود إلى مصادر مستدامة، وإنما أيضاً السعي بقوة، لأن يظل نصيب المنطقة من سوق الطاقة المتجددة كبيراً.
 في حوار صحفي مطلع هذا العام، أشار د. محمود محيي الدين، المدير التنفيذي في صندوق النقد الدولي ومبعوث الأمين العام للأمم المتحدة للتنمية المستدامة، إلى أهمية تركيز المنطقة العربية على ما يسمى «قفزات الضفدع»، لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. ويعني بذلك عدم انتظار تراكم المراحل، بل السبق بالقفز ثم يأتي التراكم بشكل منطقي مع مرور الوقت.
 وبما أن التنمية المستدامة في المرحلة المقبلة ستعتمد على دعامتين أساسيتين هما الاقتصاد الأخضر (الصديق للبيئة وبمصادر طاقة متجددة نظيفة ومستدامة) والاقتصاد الذكي (المعتمد على تطوير التكنولوجيا والسبق بالابتكار فيها) فإن عملية تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط تحتاج إلى الاهتمام بهذين الجانبين: الأخضر الذكي.
ومن المهم ألا يقتصر الاستثمار في الاقتصاد «الأخضر الذكي» على تكنولوجيا المعلومات وتحولات الطاقة فحسب، بل هناك أهمية قصوى للاستثمار في البشر عبر خفض معدلات الفقر، وكذلك في الصحة والتعليم. وبالتوازي مع استثمار التحول الاقتصادي لتنويع القطاعات التي تشكل الناتج المحلي الإجمالي تحتاج المنطقة إلى زيادة مخصصات التعليم والصحة بشكل كبير.
 بالطبع يظل الاستثمار في الاقتصاد الأخضر الذكي صاحب النصيب الأكبر. وهنا نشير إلى ما بدأته بعض الدول خاصة دولة الإمارات وأيضاً السعودية مؤخراً، من الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة من الشمس والرياح والطاقة النووية. ولعل ارتفاع أسعار النفط مؤخراً يوفر عائدات يمكن استخدامها في هذا الاستثمار، وليس فقط سد عجز الميزانيات الذي شهدناه مثل بقية العالم، بسبب أزمة وباء كورونا.
 في حوار له هذا الأسبوع مع صحيفة «فاينانشيال تايمز» حذر مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول من أن الاستثمار في الطاقة المتجددة عالمياً يحتاج إلى مضاعفته ثلاث مرات إذا كان البشر يريدون تحقيق أهداف مكافحة التغيرات المناخية. وحسب تقديرات الوكالة فإن الاستثمار في الطاقة عالمياً سيرتفع هذا العام إلى ما يقارب تريليوني دولار (1.9 تريليون دولار) قد لا يزيد نصيب الاستثمار في الطاقة المتجددة منها عن 370 مليار دولار.
 تلك فرصة جيدة لمنطقتنا لإحداث «قفزة» في هذا المجال بسد ثغرة الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، في سياق توجهها نحو الاقتصاد الأخضر كقطاع جديد واعد يحمل إمكانيات هائلة.
 أما بالنسبة للتكنولوجيا، فإن هناك فرصة أيضاً لارتياد آفاق جديدة، بعدما تشبع الابتكار الغربي والآسيوي إلى حد كبير. ومن الممكن أن تكون الإبداعات الجديدة في مجال الاقتصاد الذكي من منطقتنا تشكل المنطلق.
 وقد قطعت بعض دول المنطقة، وتحديداً الإمارات، شوطاً مهماً في تكنولوجيا الفضاء وتطبيقات منصة «بلوك تشين» التي توفر لها بالفعل فرصة للريادة في تلك المجالات. وهناك أيضاً إمكانيات محتملة لدول أخرى لتحذو حذو الإمارات.
لكن، مرة أخرى، في كل تلك المجالات الذكية والخضراء، نحتاج إلى الاستثمار الأهم في البشر. فبدون قدرات بشرية من أبناء المنطقة يقودون تلك التوجهات الجديدة سنظل كحال أغلبنا «مستهلكون» لإنتاج الآخرين دون مساهمة فعلية في هذه المجالات.
[email protected]

عن الكاتب

يشتغل في الإعلام منذ ثلاثة عقود، وعمل في الصحافة المطبوعة والإذاعة والتلفزيون والصحافة الرقمية في عدد من المؤسسات الإعلامية منها البي بي سي وتلفزيون دبي وسكاي نيوز وصحيفة الخيلج. وساهم بانتظام بمقالات وتحليلات للعديد من المنشورات باللغتين العربية والإنجليزية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"