عادي

تونس.. حكومة مواجهة

23:30 مساء
قراءة 4 دقائق

د. محمد فراج أبو النور *
اعتبر كثير من المراقبين تكليف الرئيس قيس سعيّد للأستاذة الجامعية «نجلاء بودن رمضان» برئاسة الحكومة التونسية خطوة ذكية موجهة للمجتمع التونسي، فهي أول رئيسة للحكومة في العالم العربي، وتضم حكومتها تسع وزيرات تتولى بعضهن وزارات بالغة الأهمية كالعدل، والمالية، والصناعة، والتجارة، والإسكان. والحكومة الجديدة هي «حكومة تكنوقراط» مسؤولة أمام رئيس الجمهورية في ظل غياب البرلمان، وبمقتضى المراسيم التي اتخذها الرئيس التونسي مؤخراً.

تواجه الحكومة التونسية تحديات سياسية واقتصادية ومالية واجتماعية وأمنية وصحية ضخمة يتعين عليها التصدي لها، تحت قيادة رئيس الجمهورية، الذي يتولى السلطتين التنفيذية والتشريعية بموجب المراسيم الرئاسية الأخيرة، لكي تخرج البلاد من الأوضاع الكارثية التي ورثتها عن الحكومات المتعاقبة لحركة «النهضة» وحلفائها بما اتسمت به من فساد وانعدام للكفاءة، وهي مهمة تحتاج إلى جهود هائلة. وإذا كان هناك من المراقبين من يتخوف من عدم امتلاك رئيسة الحكومة للخبرة الاقتصادية، فإن وجود الوزراء المتخصصين، وإمكانية الاستعانة بالخبراء والمستشارين- في بلد لا تنقصه الكفاءات- والعمل بطريقة مؤسسية سليمة، كلها أمور يمكن أن تساعد على تدارك مشكلة نقص الخبرة.

اقتصاد منهار

تواجه تونس أوضاعاً اقتصادية ومالية كارثية، زاد من تعقيدها تفشي وباء كورونا، وما ارتبط به من «إغلاقات» وتراجع حاد لحركة السياحة، أحد أهم قطاعات الاقتصاد التونسي ومصادر دخله من العملات الصعبة. وتشير التقارير الحكومية التونسية وتقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى أن العام (2020) قد شهد تراجعاً للناتج المحلي بإجمالي يبلغ (-9%) وأن من المتوقع أن يتراجع الناتج المحلي هذا العام بما يتراوح بين (6%-7%) كما تراجع دخل السياحة بنسبة (80%)، في حين بلغ عجز الموازنة العام الماضي (14%) من الناتج المحلي الإجمالي، ويبلغ هذا العام أكثر من (11%) وبلغت نسبة البطالة حوالي (18%). وبلغت الديون أكثر من (30 مليار يورو).. وتحتاج البلاد إلى حوالي (7 مليارات دولار) لسداد أقساط وفوائد الديون وتغطية عجز الموازنة هذا العام .

ونتيجة لمصاعب السداد فقد تراجع التصنيف الائتماني لتونس حسب مؤشري «فيتش» و«موديز» إلى (B3) في فبراير/شباط الماضي، ثم عاد فتراجع إلى (caa1) بآفاق سلبية في الأيام الأخيرة حسب مؤشر «موديز». وهو الأمر الذي يجعل من الاقتصاد التونسي اقتصاداً عالي المخاطر، ويعقد وضع البلاد كثيراً في مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض قيمته (4 مليارات دولار) الذي يشترط تطبيق «روشتته» المعروفة، وفي مقدمة شروطه رفع الدعم عن الطاقة والسلع الأساسية بحلول عام 2024، وتقليص بند الرواتب في الموازنة العامة، وهي شروط من شأن الاستجابة لها إثارة ردود فعل اجتماعية غير مطلوبة إطلاقاً في ظل الظروف السياسية الحالية.

نجلاء بدون عبرت عن إدراكها لصعوبة هذه الأوضاع، وأعلنت أن الأولوية في عمل الحكومة تتجه للخروج من الأزمة الاقتصادية، وتحقيق توازن المالية العامة. وكان من أول الاجتماعات التي عقدتها بمجرد بدء عمل الحكومة، اجتماع لها مع وزيرة المالية ومحافظ البنك المركزي لمناقشة الأوضاع المشار إليها. وواضح أن الاتفاق مع صندوق النقد الدولي يحتاج إلى اتخاذ إجراءات تقشفية مؤلمة بخصوص الإنفاق الحكومي، وهو ما يقتضي بالضرورة انتهاج سياسة تقوم على الشفافية مع المجتمع، وإجراء حوار وطني موسع حول السياسات الاقتصادية، وخاصة مع «اتحاد الشغل» أكبر المنظمات النقابية، وضرب المثل للمجتمع من خلال تقليص الإنفاق الحكومي «غير الضروري» بصورة كبيرة.

مكافحة الفساد

اتخذ الفساد أبعاداً مؤسسية متجذرة خلال سنوات حكم «النهضة»، وأصبح نهب المال العام سياسة شاملة لدى كوادرها بمن فيهم النواب والوزراء، ووصل الأمر إلى حد تغلغل الفساد في «الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد»!! في ظل رئاسة «شوقي الطبيب» أحد المقربين ل«النهضة». وحينما عين الرئيس سعيّد قاضياً معروفاً بنزاهته كرئيس للهيئة، هو «عماد بوخريص» وبدأ الأخير يقترب من ملفات كبار الفاسدين، ويحيل بعضها إلى القضاء، فإن رئيس الحكومة السابق المشيشي لجأ إلى إقالته، وإعادة الرئيس القديم المتستر على الفساد، مما دعا قيس سعيّد إلى القول: «إن الحكومة نفسها تحارب من يحاربون الفساد»!

وبعد تجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن النواب -ضمن إجراءات 25 يوليو- تمت إحالة قضايا فساد تخص عشرات النواب وكبار المسؤولين إلى القضاء، كما تم عزل رئيس هيئة مكافحة الفساد (الطبيب) وفرض الإقامة الجبرية عليه، وإخلاء مبنى الهيئة من الموظفين لمنع إتلاف ملفات الفساد، ما فتح الباب لإحالة مزيد من نواب ووزراء «النهضة» وحلفائها للقضاء. والواقع أن حملة مكافحة الفساد تسير بشكل جيد وتعتبرها الحكومة من أولوياتها. والتقدم فيها سيوقف نزيف المال العام. ومن شأن هذا كله أن ينعكس إيجابياً على الاقتصاد، وخاصة إذا أمكن استعادة أموال الفاسدين من الخارج.

وقد كان القضاء أيضاً أحد المجالات التي أفسدتها «النهضة» إلى حد كبير، وأدخلت إليه العديد من أنصارها دون وجه حق، وتجري الآن عملية تطهير لمن تظهر ضدهم أدلة كافية.

الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري عملية شاقة للغاية، بعد سنوات من الإفساد والتخريب لكنها ممكنة إذا تم انتهاج سياسات سليمة بمثابرة كافية وبصورة مؤسسية وسيكون هذا معيار نجاح أو فشل حكومة «بودن».. ولعل مساعدة الدول العربية الغنية للاقتصاد التونسي من شأنها أن تعطي دفعة قوية لعملية الإصلاح الاقتصادي بالذات.

أما الإصلاح السياسي والدستوري فهما قضيتان تحتاجان إلى معالجة مستقلة.

* كاتب مصري

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"