عادي

الأخذ بالأسباب

رقائق
21:59 مساء
قراءة دقيقتين
5

رغيد جطل

عندما نتلو قوله تعالى في سورة مريم «كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)» نقف برهة متفكرين متأملين في دعاء سيدنا زكريا عليه السلام إذ من البدهي أننا إن أردنا الحصول على شيء ما، فإننا نذكر للطرف الآخر ما نمتلكه من مقومات تؤهلنا لهذا الأمر.

مثلاً من أراد الحصول على وظيفة، فإنه يقدم مؤهلاته التي تُمكنه من حيازتها، لكننا نرى في دعاء سيدنا زكريا عليه السلام خلاف ذلك؛ إذ إنه في مسألته لله جلَّ وعلا ذكر غياب الأشياء المُعينة له على وجود الولد، بمعنى أنه لا يمتلك أياً من مقومات الإنجاب؛ حيث تحدث عن كبر سنه حتى وهن عظمه، وشَابَ شعره، وزوجته العاقر التي لا تنجب، لكنه في الوقت نفسه يعلم أنه يدعو القادر على كل شيء؛ لذا دعاه دعاء من لا يقنط من رحمته فقال: «وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا» لتأتي الإجابة يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) «مريم». دعاء سيدنا زكريا يرشدنا إلى حقيقة لا بد من التنبه إليها، وهي أننا مأمورون بالأخذ بالأسباب المادية والمعنوية في حياتنا، فالطالب لن ينجح إن لم يدرس، وكذا البذور لن تُؤتي أُكلها إن لم نتعهدها بالعناية والرعاية، فالأخذ بالأسباب سنة كونية أمرنا بها ربنا، وحثنا على أن نكون متوكلين عليه لا متواكلين، فهو قادر على أن يُسقط الرطب على مريم من دون أن يأمرها بتحريك الشجرة، لاسيما أنها كانت في ساعة لا تستطيع أن تحرك جسماً صغيراً فضلاً عن شجرة عظيمة، وما أمره جل وعلا إياها إلا من باب تعليم الأخذ بالأسباب، لكن في الوقت ذاته في مشهد آخر كان جل وعلا يمدها بما لذ وطاب من الثمار من دون بذل أي جهد منها.

وهنا بيت القصيد، فالله أمرنا بالأخذ بالأسباب دون الركون إليها، لأن مسببها هو وحده، وهو الذي جعل رابطاً بين السبب والنتيجة، وهو جل في علاه قادر على أن يزيل هذا الترابط بين السبب والنتيجة فكبر سن زكريا، أي انعدام السبب، لم يقف حائلاً أمام أن يهبه الله الولد، والنار على شدتها لم تتمكن من إحراق خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام بل إنها على العكس استحالت برداً وسلاماً، أي أن الله جل وعلا هو من ألغى منها سبب وخاصية الإحراق، وكذا كانت حالة السكين مع سيدنا إسماعيل عليه السلام فمن سلبها القدرة على الذبح هو نفسه من أوجد فيها القدرة على ذلك مع الكبش العظيم الذي افتُدي به.

 

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"