قمة العالم بين الأمس واليوم

00:21 صباحا
قراءة 4 دقائق

تساءلنا يوم سقطت الشيوعية، وانفرط الاتحاد السوفييتي وحلت روسيا محله، إن كان النظام الدولي سوف يحتفظ بصفاته وخصائصه التي صاغتها الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية، علماً بأن أمريكا قبل عقدين من الانفراط السوفييتي كانت قد سمحت ضمنياً ثم رسمياً لحكومة الصين الشعبية بالحلول في مقعد الصين في مجلس الأمن وغيره من أجهزة الأمم المتحدة محل حكومة الصين الوطنية. كانت روسيا المنزوعة الإمبراطورية أقل سمعة ووزناً وقوة من الاتحاد السوفييتي، وفي حالة الصين كانت الصين الشعبية أعلى سمعة وأثقل وزناً وأعظم قوة، وفي الحالتين لم تسمح أمريكا بأن تتغير صفات النظام الدولي أو خصائصه، وإن تغيرت أوزان القوى الممثلة له.
 نتساءل هذه الأيام مرة أخرى. بعد كل التغيرات التي طرأت على كثير من مكونات النظام الدولي ممتدة إلى بعض مفاهيمه الأساسية. ألم يحن وقت تغيير بعض صفات النظام وخصائصه ومهامه؟ هل نحن بصدد مرحلة أخرى من العناد الأمريكي معنية بالحفاظ على النظام القائم بدون تغيير يذكر؟ أم نحن على وشك أن نشهد جهوداً صينية مكثفة وربما غاضبة من أجل إقامة نظام دولي جديد، أم أننا مقدمون على العيش المشترك في إطار نظام دولي هجين، نظام يجمع خصائص من القديم، مع خصال استجدت وفرضت نفسها وصار الاستمرار في تجاهلها أو تأجيلها مكلفاً لكل من أمريكا وبريطانيا بخاصة، وربما روسيا، وإن كنت أميل أحياناً إلى أن هذه الأخيرة سعيدة بحالها وبما تجنيه وتجمعه من انحدار أو انسحابات أقطاب أخرى، سعيدة بوضعها الراهن ولا تتمنى أي تغيير.
 تذكرت اجتماعاً جرى مع شو اين لاي رئيس وزراء الصين في مكتبه بالعاصمة بكين. لم تكن المرة الأولى التي أقابل فيها الرجل. المرة الأولى كانت عندما التقينا قبل أربعة عشر سنة من هذا الاجتماع في مناسبة عامة في العاصمة الصينية عندما كنت أعمل بالدبلوماسية. دار الحوار ليلتها مع رئيس الوزراء حول قضايا الغذاء وأرقام الاستهلاك والعلاقة بين ثلاثي الحكم، الحزب والحكومة والجيش. وكلها أمور بالمقارنة بالصين الراهنة تجاوزتها الظروف، إذ كنّا نتحدث عن شعب عدد أفراده لم يتجاوز بكثير الستمئة مليون نسمة، وكانت العلاقات بين الحزب وكل من الجيش والحكومة شديدة التوتر. كان الحزب يمر في أشد مراحل الانتقال قسوة،إذ لم يكن قد مضى على وصوله بكامل قيادته إلى العاصمة أكثر من عشرة أعوام، بمعنى آخر كان الحزب حديث العهد بحياة ومشكلات أهل المدن. 
 مرت سنوات وعدت إلى الصين مع الزميل في الدبلوماسية والبحث الأكاديمي سميح صادق، ضمن رحلة آسيوية واسعة شملت الصين، واشترك في الإعداد لها مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية حديث النشأة أو التسمية، والمتفرع من مؤسسة الأهرام. قاد الوفد الأستاذ محمد حسنين هيكل بعد اجتماعات تحضيرية عديدة. كانت الصين محطتنا الأولى في الرحلة. وصلنا بكين نحمل قناعات أهمها ثقتنا جميعاً في أن سنوات قليلة تفصل بيننا وبين أن تصبح آسيا قارة تقود أحداث المستقبل. كان من قناعاتنا أيضاً توقع اتساع الفجوة بين قطبي الشيوعية، الصين وروسيا. ولا شك أن المناقشات الأيديولوجية الساخنة التي جرت بين الزميل محمد سيد أحمد والسيد شو اين لاي كانت أقوى دليل على أهمية هذا التوقع من جانبنا والجانب الصيني.
 كانت جلسة ممتعة امتدت لساعات طويلة أبدع فيها الجميع. كان هيكل رائعاً كنموذج لصحفي قادر على إبهار محدثيه من الأجانب. أنا شخصياً أعلم كم من الكتب عن الصين قرأ قبيل انطلاق الرحلة، وكم من الدارسين لآسيا أو في آسيا قابل ليسأل عن كل كبيرة وصغيرة. انبهرنا بذاكرته. كنا نجتمع مرتين بعد كل زيارة لمسؤول كبير.
 أذكر لشو اين لاي وصفه الوضع الدولي في ذلك الحين بالكلمات التالية «هناك الآن في العالم انقسامات جديدة، وهناك تحالفات جديدة، وهناك فوضى أو تفاعلات عنيفة في كل مكان». وعندما سئل عن تعريفه للقوى العظمى قال: «القوة العظمي حالة وليست مجرد مواصفات..». عدت قبل أيام إلى أوراق أسجل فيها انطباعات سياسية. قرأت ما سجلت. وعلى الفور وجدت نفسي أقارن بين حال العالم في ذلك الوقت كما وصفه شو اين لاي وما بدا لي في أوراقي أنه اجتهادات شخصية عن عالم اليوم. أمريكا، الوحيدة بين الدول الكبرى التي ما زالت تستحق صفة القوة العظمى رغم التدهور المريع الذي أصاب سلوكيات نخبها الحاكمة والطبقة السياسية عموماً، رأيتها في السنوات الأخيرة تتصرف كعملاق ضخم فقد أطرافه وعضلاته والتنسيق الضروري بينها، وهو التنسيق الذي يضمن تحركها باتزان وحسابات دقيقة. 
 لاحظت أيضا كيف أن بريطانيا وقد فقدت نهائياً وقطعياً صفة العظمى التي ورثتها عن أيام الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس. 
 لا أبالغ إن قلت إنني وجدت فرنسا القطب الثالث في الحلف الغربي تكاد لا تقوى على تحمل واجبات قيادة الاتحاد الأوروبي في حال تغيب منطقي من جانب السيدة أنجيلا ميركل، وغياب محتمل من جانب حكومة ألمانية قوية ومتجانسة قادمة. 
 روسيا العضو الخامس دائم العضوية في مجلس الأمن ورثت المنصب مثل بريطانيا ربما عن غير حق. ولكن هل يصح أن تظل حاملة للقب القوة العظمى بعد زوال الإمبراطورية الأوراسية الواسعة الأرجاء. 
شهدت المرحلة الانتقالية التي أطلقها عهد الرئيس يلتسين بداية تراجع النفوذ الروسي داخل أوروبا بخاصة وفي أنحاء أخرى من العالم بشكل عام. أظن أن السياسة الروسية الراهنة في الشرق الأوسط مثلاً لا تضيف الكثير إلى مكانة روسيا كقطب دولي.
 تغيرت صورة العالم. تغيرت أيضاً صورة أقطاب النظام الدولي. شو اين لاي كان على حق عندما اعتبر القوة العظمى حالة وليست وضعاً مستقراً ثابت المواصفات.

عن الكاتب

دبلوماسي مصري سابق وكاتب متخصص بقضايا العلاقات الدولية. اشترك في تأسيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام. وأنشأ في القاهرة المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل. عضو في مجلس تحرير جريدة الشروق المصرية ومشرف على صفحة الرأي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"