الانتخابات ورهان وحدة الجيش الليبي

00:10 صباحا
قراءة 3 دقائق

الحسين الزاوي

يجمع المراقبون للشأن الليبي على الطابع المركّب والشديد التعقيد للأوضاع في هذا البلد العربي الواقع في منطقة استراتيجية بالغة الأهمية بين أوروبا وإفريقيا؛ إذ إنه وعلى الرغم من توقيع الأطراف المتصارعة في شرق ليبيا وغربها على اتفاق وقف إطلاق النار في جنيف بتاريخ 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، فإن الوضع السياسي والأمني ما يزال يتسم بالغموض، ومن الصعوبة بمكان توقع نهاية قريبة لحالة الفوضى التي تسبب فيها الحلف الأطلسي بقيادة فرنسا وبريطانيا، بعد إسقاط نظام القذافي في سياق ما سُمي ب«الربيع العربي».

ومن الواضح أن حالة عدم الاستقرار هي نتيجة مباشرة لتعدد الفاعلين المؤثرين على مستوى المشهد العسكري نتيجة لتنامي النزعة المناطقية، وغياب التوافق بشأن طبيعة الدولة المركزية القادرة على توحيد وتمثيل كل مكونات المجتمع الليبي؛ وذلك فضلاً عن تدخل القوى الإقليمية والدولية التي تدعم المجموعات المسلحة والمرتزقة الأجانب.

وبالتالي فإن تعثر محاولات الانتقال السياسي السلمي خلال السنوات الماضية، يجعل المتابعين للملف الليبي يشكّكون في قدرة الأطراف الليبية الفاعلة في المشهد المحلي على إجراء الانتخابات في موعدها المحدّد بتاريخ 24 ديسمبر/كانون الأول 2021، وبخاصة بعد مطالبة المجلس الأعلى للدولة في طرابلس، بتأجيل الانتخابات لمدة سنة على الأقل بسبب غياب توافق واضح بشأن قانون الانتخابات.

يحدث كل ذلك في سياق وضع جيوسياسي هش تبدو فيه الطبقة السياسية الليبية غير قادرة على فرض تصوراتها على القوى المهيمنة عسكرياً المدعومة إقليمياً ودولياً، والتي يبدو أنها تملك الكلمة الأخيرة بشأن مصير الحلول السياسية المقترحة، على الرغم من اللقاءات والمؤتمرات الدولية، على غرار مؤتمر طرابلس ومؤتمر باريس الذي سينعقد في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، والتي تهدف إلى إقناع الأطراف الليبية بضرورة احترام التزاماتها السياسية.

وتدفع المعطيات المتوافرة بشأن الأوضاع في ليبيا إلى الاستنتاج أن البلاد تواجه معادلة سياسية وأمنية يصعب حلها، فمن جهة أولى تبدو إمكانية التوافق على حل سياسي جد صعبة كما أن عملية تنظيم الانتخابات الرئاسية والتشريعية في موعدها ترتبط بتدخل القوى الدولية بقيادة الولايات المتحدة، وفضلاً عن ذلك فليس هناك ما يضمن قبول كل الأطراف بنتائجها في حال النجاح في تنظيمها؛ ومن جهة ثانية فإن فرضية الحسم العسكري باتت شبه مستحيلة الآن بعد تدخل القوى الأجنبية لوقف التفوق الذي حققه الجيش الوطني الليبي، وهي القوى التي تحرص حالياً على الإبقاء على الأوضاع على ما هي عليه في ظل غياب قرار دولي حاسم بخصوص الملف الليبي.

ويمكن القول إن الرهان الرئيسي في ليبيا مرتبط إلى حد بعيد، بالفرص المتاحة من أجل توحيد الجيش الليبي وبحل أو إدماج الميليشيات المسلحة ضمن قيادة عسكرية موحّدة، فهناك الجيش الوطني الليبي الذي يسيطر على مناطق واسعة من البلاد، والمجموعات العسكرية في طرابلس، والكتائب المسلحة التابعة لمدينة مصراتة.

وتكمن المشكلة الكبرى بالنسبة لهذه القوى المهيمنة عسكرياً، في أنها تستند على مرجعيات أيديولوجية متنافرة ويصعب التوفيق بينها وخاصة أن بعضها يستفيد من دعم دول أجنبية تطمح إلى فرض أجندتها السياسية بالمنطقة. وعليه فإنه في حال وجود توافق داخلي ليبي بشأن توحيد القوات العسكرية وضرورة احتكار الدولة الليبية للعنف المشروع، فإننا نجد رفضاً من القيادات العسكرية لفكرة التخلي عن زعامتها لمصلحة قيادة التشكيلات المسلحة المنافسة لها.

ونخلص إلى أن مقتضيات الأمن القومي العربي المشترك، المرتبطة بضرورة تحقيق الاستقرار في ليبيا، تتطلب تحقيق توافق عربي تحت مظلة الجامعة العربية، من أجل الضغط على القوى الإقليمية وإقناع التشكيلات المسلحة بضرورة توحيد المؤسسة العسكرية الليبية تحت راية جيش وطني، يحرص على تنفيذ أجندة ليبية مستقلة عن التدخلات الأجنبية؛ ويدافع عن المصالح العليا للدولة الليبية، ويعمل على إنهاء الانقسامات والمناكفات السياسية التي تتسبب في استمرار معاناة الشعب الليبي نتيجة لغياب سلطة مركزية تضمن استقرار ووحدة البلاد والعباد.

إن «مؤتمر دعم استقرار ليبيا» الذي بدأ أعماله في طرابلس قد يشكل بارقة أمل.
[email protected]

عن الكاتب

أستاذ الفلسفة في جامعة وهران الجزائرية، باحث ومترجم ومهتم بالشأن السياسي، له العديد من الأبحاث المنشورة في المجلات والدوريات الفكرية، ويمتلك مؤلفات شخصية فضلا عن مساهمته في تأليف العديد من الكتب الجماعية الصادرة في الجزائر ومصر ولبنان

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"