عادي

الفلسفة.. فن التداوي بالحكمة

22:49 مساء
قراءة 3 دقائق
لوحة موت سقراط لجاك لويس ديفيد
6

الشارقة: علاء الدين محمود

كيف يمكن أن نستعين بالفلسفة في مواجهة أوجاعنا وآلامنا، خاصة أننا نعيش في عصر تسود فيه الفردانية، حيث يمضي الإنسان وحيداً يبحث عن الطمأنينة وسلامة النفس وسط عالم متشظٍّ؟ ويبدو أن التشكيك حول إمكانية الفلسفة في ذلك الأمر منطقي، لكونها لا تقدم سوى مفاهيم ومصطلحات جامدة تركز على العقل، غير أن كثيراً من المفكرين والمؤرخين للفلسفة قد اهتموا بالمشاعر والانفعالات.

لعل الكاتب والفيلسوف البريطاني آلان دو بوتون، المولود في عام 1969، واحد من الذين تخصصوا في قضية المشاعر الإنسانية، ويبرز ذلك الأمر بصورة جلية في عدد من كُتبه، وبصفة خاصة في «عزاءات الفلسفة»، الذي يتناول فيه المصاعب الحياتية والانكسارات النفسية، وغير ذلك من الأحاسيس التي تؤثر سلباً في حياة المرء، ويتعمق الكتاب في شرح كيف أن الفلسفة يمكن أن تشكل عزاء للروح في مواجهة المصائب والألم، ويفرد مواقف عدد من مقولات ومواقف الفلاسفة حول جملة من المشاعر الإنسانية مثل: «سقراط»، و«أبيقور»، و«سينيكا» و«مونتين»، و«شوبنهاور»، و«نيتشه»، فالكتاب يؤكد على أن تلك المقولات والمواقف هي بمثابة مواساة عظيمة للفرد في مواجهة وجع الحياة.

ويتحدث الكتاب عن أنواع من العزاءات هي في الأصل مستخلصة من تجارب شخصيات منتمية لحقل الفلسفة من عصور وأماكن مختلفة، وفي البدء يقدم لنا المؤلف صورة، أو مشهداً للفيلسوف سقراط بعد أن حكم عليه بالموت من قِبل حكام أثينا، بأن يتجرع السم، بعد أن وجهوا إليه تهمة إفساد الشباب، وفي المشهد يجلس سقراط وإلى جانبه عدد من أصدقائه الذين بدا عليهم الهم والحزن والاكتئاب، كان سقراط ساعتها يتهيأ لمواجهة الموت، ويعمل في الوقت نفسه على تسلية أصحابه ليخفف عنهم همّ ألم فراقه، ومصيبته، فأخذ يقدم لهم النصح حول الحياة وضرورة التمسك بالمبادئ والقيم.

واجه سقراط قدره ببسالة شديدة، وقال موجهاً حديثه لحكام أثينا: «طالما أنني أتنفس وأملك القوة، لن أتوقف عن ممارسة الفلسفة وإسداء النصح لكم، وتوضيح الحقيقة لكل من أصادفه»، هذا المشهد ألهم عدداً كبيراً من الشعراء والرسامين الذين خلدوا تلك اللحظة في نصوص شعرية ولوحات فنية، والمغزى من تلك القصة أن مقولات سقراط حول الحياة والمبادئ تمثل ترياقاً للروح، وأن على الإنسان أن يكون لديه رسالة ليتحمل في سبيلها كل حزن وألم، فسقراط كان متصالحاً مع نفسه، فقد كان بإمكانه إنقاذ روحه من الموت والتضحية بأفكاره، لكنه اختار أن يظل وفياً لفلسفته ومبادئه، ولعل من أبرز الفنانين الذين وثقوا تلك اللحظة، الفنان الفرنسي «جاك لويس ديفيد» في لوحته الشهيرة التي اختار لها اسم «موت سقراط»، والتي قام برسمها عام 1748.

ويقدم الكتاب كذلك جانباً من حياة الفيلسوف «أبيقور»، وسرداً عن أفكاره، والمصاعب التي واجهها في حياته، وكيف أنه قد تغلب عليها، ليخلص إلى أن الفلسفة الأبيقورية تقود المرء إلى البحث عن السعادة من خلال الحرص على الصداقة، والحرية، والتأمل والتفكير، ثم يقودنا إلى الفيلسوف «شوبنهاور» وتجربته الحياتية، حيث إن فلسفته هي بمثابة عزاء بشأن انكسارات الروح، والأفكار السلبية، ويقدم لنا الكتاب شرحاً حول تفسير «شوبنهاور» للحب الذي هو نتاج ما يسمّيه ب«إرادة العيش»، من أجل مواجهة مرارة العالم، ويفرد المؤلف مساحة لآراء «شوبنهاور حول الفن والأدب، إذ يرى فيهما أعظم وسيلة للمواساة، وعزاء للنفس ضد الشعور بالوحدة.

ولعل من أكثر القصص التي تمثل عزاء للروح ضد الإحباط والغضب، هي قصة الفيلسوف «لوكيوس سينيكا»، الذي عاش في العصر الروماني، وحكم عليه الإمبراطور نيرون بالموت انتحاراً، فتلقى ذلك الحكم بهدوء شديد، ويستعرض الكتاب آراء «سينيكا»، حول الإحباط فهو يقول: «الإحباط هو تعارض أمنية مع واقع قاسٍ»، ويرى أن كل من مشاعر الغضب واليأس هي ناتجة عن الآمال الكبيرة أو غير الواقعية، ولتجنب ذلك يجب على المرء أن يضع في اعتباره أن مكروهاً قد يحدث له، وهو بذلك سيتفادى الكثير من المشاعر السلبية، ويرى «سينيكا»، أن كل ما نحتاج إله هو فهم حقيقة الحياة كي نحتمل أوجاعها.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"