المرض بغياب الحوار

00:15 صباحا
قراءة دقيقتين

يحيى زكي

المتابع للحالة الفكرية والصحفية العربية، سيلاحظ تراجعاً واضحاً للحوارات بمختلف أنواعها، سواء كانت حوارات فردية، أو حوارات جماعية في ندوات ومؤتمرات، وباتت المسألة كلها منوطة ببرامج «التوك شو» الفضائية، بكل ما تتضمنه من ضجيج. وحتى إذا عثرنا على حوار في هذه الصحيفة أو تلك، سنجده يفتقد إلى الحرارة، وربما لا يقول أي جديد، فمعظم الكلام معروف، وباتت أجوبة السياسيين دبلوماسية، أما أجوبة المفكرين فتكرر ما هو معروف.

تذكرنا برامج «التوك شو» بمقولة الفيلسوف الألماني ماكس بيكار: «يحتاج الحوار إلى لحظات صمت»، حتى يستوعب كل طرف ما يقوله الآخر، يقلبه في ذهنه ومن ثم يرد عليه، أما في هذه البرامج فيشارك الضيوف وكل واحد منهم يبطن وجهة نظر لا بد أن يعبر عنها كاملة ومن دون توقف، ومن هنا الإزعاج البالغ للمشاهد. والنتيجة في الكثير من هذه البرامج أننا بعد كل هذا الصخب ننسى موضوع الحوار الرئيسي.

وهناك سمة واضحة جداً في طبيعة أي حوار عربي، أن لا أحد من المشاركين على استعداد لكي يغير قناعاته، أو يعدلها على الأقل، وهذا ينطبق على الندوات والمؤتمرات التي كانت تقام بين تيارين فكريين نقيضين أو مختلفين في المبادئ والرؤى، ليفرض السؤال نفسه، ولماذا نتحاور في الأصل؟ فكل طرف بعد الحوار يظل على موقفه.

لقد وصلت الحالة «الحوارية الحقيقية»، الصحفية والفكرية بعيداً عن الفضائيات، في الثقافة العربية منذ سنوات طويلة إلى طريق مسدود، ووصفها الكثيرون بتعبير «حوار الطرشان»، والذي كان يلخص إشكاليات فكرة الحوار نفسها، فنحن لا نعرف كيف نتحاور أو ننصت لبعضنا، ولسنا على استعداد، لعوامل عديدة، لقول ما يحرك الساكن أو الاقتراب قليلاً من رأي الآخر، وتزامن ذلك مع صعود مواقع التواصل الاجتماعي التي استنسخت ضجيج الفضائيات، وتوجه بعض المثقفين والمفكرين إلى «اليوتيوب» كوسيلة جديدة للتعبير عن الرأي، حيث لم يعودوا في حاجة إلى الصحافة أو الندوات لإيصال صوتهم، ولكن هذا التوجه لا يختلف عن الكتّاب إلا في الانتشار الواسع وتبسيط الأفكار، ما يؤكد أن هؤلاء باتوا يرفضون الحوار أو يتحسسون منه.

ولكن هذا التراجع الشبيه بالغياب لفكرة الحوار الجاد، يعبر عن مرض يسكن قلب وأركان هذه الثقافة، مرض يعكس الحراك المجتمعي الذي أصبح لا يولي فكرة الحوار أولوية أو أهمية، ويلخص اعتقاد البعض أن لا شيء يستحق الحوار، مرض يعبّر عن موت الأفكار الكبرى وإحساس البعض الآخر أنه لا قيمة في ما يقال مع الغياب المتتالي للرموز في الساحة الفكرية العربية، مرض لا يدرك أو يتناسى أن محاولة تأسيس مفهوم جديد للحوار مسألة تستحق التفكير والنقاش.

لا يمكن لثقافة تتطلع إلى نهضة أو إلى تأسيس منظومة لمعرفة الآخر والتفاعل معه، أن تخلو من حوارات حقيقية على هذا النحو، هذا الغياب عرض لمرض الصمت الفكري الذي يؤكد أن العقل العربي ومنذ سنوات يفتقد إلى الصحة والعافية.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"