ذكريات نورانية مولدية

00:16 صباحا
قراءة دقيقتين

هل يسمح القارئ الكريم بنسمة ذكريات؟ نسيم صَبا هبّ نفحه عاطراً عابقاً، ذكياً زكياً شذيّاً نديّاً، وكيف لا وهي نسائم من أزاهير جنان النبوّة، في مولد نور الأنوار، خير الأخيار، أبرّ الأبرار، أطهر الأطهار؟ من اقتفى الآثار، أمِن العثار، ومهاوي الاندثار. ومن اهتدى، بمنار الهدى، ضمن السلام والسلامة على طول المدى.
في صِبا القلم، كانت مدينة «توزر»، مسقط رأسه في واحات الجنوب الغربي في تونس، تتلألأ فيها مصابيح المدائح والأذكار في المولد الأشرف، لياليَ عشراً، هنّ أبهى بهاء، وأجلى جلاء، وأسنى سناء، من الفجر والصبح والضحى. أوَ لم تصدّق؟ قل بلى. أمّا وقد وددت أن يطمئن قلبك، فإن نور الإيمان فوق كل الأنوار، لأنه يستمد نوره من نور السماوات والأرض، من المشكاة، من المصباح، من الزجاجة، من الكوكب الدرّي. 
عشر ليالٍ تصعد فيها المدائح النبوية الطيّبة بطيبها، بتطبيب طبيبها، بحبّ حبيبها، بعجيب نبضها ودبيبها، في شغاف قلوبها، مدائح أشهى رضاباً من كل ما تسطر الأشعار من تشبيبها ونسيبها. ترى الأفئدة، قبل سمع الآذان، تتخاطفها، تتلقفها، تترشفها، شغفاً، ولهاً وافتتاناً وهياماً. إلى أن يحول الحول، كم يطول العام؟ إلى أن يمنّ الزمان بليال عشر مشرقات أخرى، بعد اثني عشر شهراً، تضيء ألف نار بين جوانح العاشقين المدنفين صبابة.
في تلك الليالي العشر، يتجلى ديوان الشاعر العارف «الشيخ العروسي»، الذي تملك كل أسرة نسخة منه، خطية مخطوطة مزينة مزركشة، كل قصيدة على هامشها اسم بحرها. إمتاع الألباب بروائع المدائح، دروس في أوزان الخليل. كل مسجد أو جامع يزدهي بأهل حيّه، كباراً وصغاراً. الفصحاء ينشدون الأبيات ملحّنة مع إنشاد خاص مميز بكل وزن وبحر، بإيقاع تفعيلي دقيق، والحاضرون صغاراً وكباراً، يرددون البيت الذي هو اللازمة المتكررة. 
لا توجد مدرسة لانصهار البحور الشعرية في المهج أروع ولا أجدى وأجمل من تلك الليالي العشر الشريفة. الشيخ العروسي من أهل القرن الحادي عشر الهجري، تونسي هاجر إلى المغرب الأقصى، ديوانه تتردد أصداؤه في كل المغرب العربي: «فمن الإله صلاته لا تحصرُ.. وسلامه أبداً عليه يكررُ.. ما لاح في الآفاق نجم يُزهرُ.. وبدا بأطراف المجرة عسكرُ.. للصبح يُهزمُ عسكر الظلماتِ». 
الليلة العاشرة هي ليلة الأنوار العظمى، حتى مطلع الفجر، فختامها مسك، بقراءة «مولد البرزنجي» ومطلعه: «أبتدئ الإملاء باسم الذات العليّة، مستدرّاً فيض البركات على ما أناله وأولاه».
لزوم ما يلزم: النتيجة التربوية: ليالٍ عشر، لكنها ذوق عمر، في روائع الشعر في كل بحر.
 [email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"