شبكات التواصل وسيمفونية الوجود

هل يجوز أن تكون مصالح الناس في كل مكان رهناً لدى شركة موجودة في الولايات المتحدة؟
00:14 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمد خليفة

إن هذا العالم الذي نعيش فيه قد بلغ غاية من الإتقان والتعقيد في آن واحد، إنه عالم مملوء بالروائع والأمور المعقدة، ولا شك في أن العلوم قد ساعدت البشرية على زيادة الفهم، وتقدير ظواهر هذا الكون، وهي بذلك تزيد من معرفة العلماء بالديناميكية المُسوَّقة كلياً بالتقدم التكنولوجي الذي يؤثر التأثير الفعال في البنى الاجتماعية، والانفتاح على الإنسانية، والتعامل معها وفق قواعد انضباطية بكل حقبها لتعزيز حياة الإنسان في سيمفونية الوجود الكبرى.

وهذا ما اتضح عندما تعطلت شبكات التواصل الاجتماعي يوم 4 أكتوبر/ تشرين الأول 2021 من دون سابق إنذار، ولمدة تزيد على 6 ساعات ل«الفيسبوك»، و«إنستجرام»، و«الواتس أب»، حيث أصبحت هذه الوسائل ضرورية إلى درجة لا يمكن الاستغناء عنها، سواء على مستويات الحياة الشخصية، أو الرسمية، أو العمل ضمن المؤسسات والشركات. وقد سبب هذا الانقطاع المفاجئ قلقاً على مستوى العالم أجمع، لأن هذه الشبكات التي لديها أكثر من ثلاثة مليارات مشترك، ويعتمد عليها الكثيرون من أصحاب المشاريع الصغيرة والكبيرة، تبيّن أنها غير محصّنة بما فيه الكفاية ضد أي حدث طارئ، وأن مصالح البشر في كل مكان في العالم قد تكون في مهب الريح عند حدوث أي عطل، أو توقف غير محسوب.

وقد قيل إن سبب تعطل خدمات هذه الشبكات هو قيام طفل صيني «هاكر» باختراق الشركة، وتعطيل خوادمها، لكن الشركة نفت تعرضها للقرصنة الإلكترونية، أو وجود أي دليل على تعرض بيانات المستخدمين للاختراق، موضحة أن العطل ناجم عن تغييرات الإعدادات على أجهزة «الراوتر» الرئيسة التي تنسق الحركة بين مراكز البيانات.

أياً كان السبب، فإن ذلك قد كشف عن مشكلة كبيرة، وهي أن مصالح العالم تتحكم فيها شركة موجودة في مدينة أتلانتا، التي هي مركز الاتصال الدولي في الولايات المتحدة، وأن كل بيانات المستخدمين وأسماءهم وصفاتهم وصورهم وكتاباتهم، مخزّنة في خوادم تلك الشركة، وأن أية عملية تجري في أي مكان في العالم يجب أن تذهب إلى الخادم الرئيسي الموجود في الشركة، ليقوم المعالج بتلبية الطلب، وتقديم النتيجة للمستخدم، والعملية كلها هي عبارة عن كبسة زر لا تستغرق أكثر من ثوان معدودة.

ما هو أخطر يكمن في أن تلك الشركة لديها بيانات أكثر من ثلاثة مليارات مستخدم عبر العالم، وتستطيع أن تعرف كل تفاصيل تواصل البشر مع بعضهم بعضاً، كما تستطيع أن تفرض حظراً على أي مستخدم بطرفة عين، فيذهب كل ما عمله من عمل على الشبكة هباء منثوراً. ورغم أن الشركة الأم تقدم نفسها ككيان مستقل عن الدولة الأمريكية، إلا أنها في حقيقة الأمر، غير ذلك تماماً، لأن الولايات المتحدة هي دولة من الشركات، ولا وجود فيها لما يسمى القطاع العام، ومن المستحيل أن يكون لدى مؤسس الشركة، وهو مارك زوكربرج، تلك الإمكانات الضخمة لينشئ هذه الشركة، ويضع في خدمتها تلك الخوادم العملاقة التي ينجز كل منها خمسة مليارات عملية في ثانية واحدة. وهذه الخوادم هي، في حقيقة الأمر، تحت تصرف الأمن القومي الأمريكي، ولا يمكن السماح باستعمالها إلا بموافقته، وبالتالي، فإن الشركة هي جزء من المنظومة الأمنية الأمريكية، وإن ريعها وإيراداتها تعود في معظمها إلى الخزانة الأمريكية. لكن الصفة المدنية للشركة تمنحها الجاذبية، وتجعلها مقبولة، مع أن الحقيقة غير ذلك تماماً. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو هل يجوز أن تكون مصالح الناس في كل مكان رهناً لدى شركة موجودة في الولايات المتحدة؟ وهل يجوز أن تكون بيانات المشتركين متاحة لهذه الشركة التي ربما تُعد باباً خلفياً لوكالات الاستخبارات الأمريكية؟

إنه الواقع، فالعلم يسيطر على معظم أفكار العالم، وينطلق بها نحو إقامة ولايات عالمية في اعتبار العامل الاقتصادي هو العامل المحرك للحياة، وتسخير القوانين العلمية بإيجاد الوسائل والأساليب للتعامل معها، في انقياد العالم لروح الجماعة المتجسدة في العقل الكلي المسيطر على شؤون العالم.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"