«زلزال» لبنان له توابع

00:12 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمود حسونة

لو تغيّر العالم كلّه سيظل لبنان محلّك سِر، وستزداد أوضاعه سوءاً حتى يتم إطلاق سراحه من قبل أبنائه الضالين الذين اختطفوه وضللوا فئات من شعبه، وأوهموها أنهم مصدر الحماية لهم. فمنذ عقود والوجوه القابضة على القرار السياسي في لبنان هي ذاتها، متفرغة للتصارع والتنابذ وتبادل الاتهامات، من دون أن يهتز لها رمش لحالة الانهيار التي أوصلت البلاد إليها.

مات المئات، وأصيب الآلاف، وتهدمت المنازل على رؤوس أصحابها في انفجار مرفأ بيروت، من دون أن يستفز ذلك أياً من المسؤولين لتغيير النهج لانتشال الدولة من القاع الذي سقطت فيه. هاجر الشباب والشيوخ هرباً من جحيم الجوع والفقر والمرض والحاضر المزري والمستقبل المهدد، من دون أن يدفع ذلك أحدهم للبحث عن وسائل لوقف هذا النزيف. فرغت البلاد من الغذاء والدواء من دون أن يحرك ذلك ساكناً لأيّ منهم.

يقضي الناس نصف يومهم في طوابير على محطات البنزين وبحثاً عن المازوت، من دون أي تحركات عملية لحل الأزمات التي انعكست معاناة وآلاماً على الجميع. ساد الظلام مختلف المناطق ولسان حال المسؤولين يقول دعهم في ظلام، كأنهم يريدون ألا يبصر الناس الجرائم التي يرتكبونها في الليالي الحالكة، والنهارات التي أصبحت أكثر سواداً من ظلام الليل، أطلّ اللصوص يهددون حياة الناس الباحثين عن لقمة عيش تسد جوع صغارهم، أو ثمن علبة دواء تعالج كبارهم، من دون أن يلتفت أصحاب القرار إلى توابع ذلك على مجتمع كان العالم يقصده بأمان وأصبح اليوم أبناؤه يهربون منه خوفاً من انعدام الأمان.

وجوه تحتل المواقع القيادة سياسياً وحزبياً ومذهبياً وترفض أن تتزحزح منذ عقود، وإذا زحزحت الظروف أحدهم ورّث ابنه، أو صهره موقعه، وهم الذين يقودون ويقررون ويشعلون الشارع، ويجوّعون الشعب، ويشهرون السلاح في وجهه وقتما يشاؤون، هم الذين يتحكمون في الانتخابات، ويفرضون النواب ويختارون الوزراء، هم الذين يشكّلون الوزارات ويسقطونها، ويخلقون الفراغ ويملأونه، ويختارون الرئيس ويقررون بالنيابة عنه، وفي فلكهم تدور وجوه يفرضونها على المواقع التنفيذية، ولا يتجاوزون كونهم دمى في أيديهم يحركونهم كيفما يشاؤون، لا يملكون حق التفكير، ولا اتخاذ قرار، أو موقف، ينفذون ما يُطلب منهم فقط، ويتحدثون بما يُملى عليهم، يشتبكون ويتعصبون ويشتمون ويصعّدون ويتراجعون حسب إرادة «الزعيم»، و«الزعماء» أنفسهم ليسوا سوى وكلاء لدول أو قوى خارجية، يأتمرون بأوامرها وينفذون إرادتها، وهكذا هو لبنان، مرهون بمتوالية من الإرادات الخارجية والداخلية، بصرف النظر عن سيادته واستقلاله ومصالح شعبه، بعد أن كان «السيد الحر المستقل».

ولأن قطاعاً عريضاً من الشباب اللبناني أدرك أن لا صلاح للبنان في ظل هذه المنظومة المذهبية، كانت انتفاضته في أكتوبر/ تشرين الأول قبل عامين، لتحريره من ملوك الطوائف وأسيادهم الخارجيين، وكان شعارهم «كلّن يعني كلّن»، ولأن «كلّن» هم الذين يقبضون على السلطة والمال والقرار فقد تكاتفوا لوأد الثورة التي لم تكتمل. وعندما وقع انفجار المرفأ اهتز له العالم الخارجي، وأمل الشعب أنها الصفعة المدوية التي ستفضح الفساد والمفسدين وتحاكم ملوك الطوائف، وأنهم جميعاً سيخجلون أمام هول الكارثة، ولكنهم كالمعتاد، لم يهتز لهم جفن، محاولين الاتجار بأرواح الضحايا واستغلال آلام الموجوعين سياسياً، ووعد الرئيس بكشف المتسببين خلال أيام، والأيام أصبحت شهوراً، وقد تصبح سنوات، من دون محاكمة المجرمين، أو حتى الإعلان عنهم.

ما حدث الخميس قبل الماضي بين منطقتي الشياح وعين الرمانة، يستدعي شبح الحرب الأهلية، ويؤكد أن الطريق أصبح ممهداً للعودة إلى الخلف، وأصبح شائكاً أمام محاولات السير نحو المستقبل. تظاهرات الطيونة كانت رسالة تهديد لكل من ينبش باحثاً عن الحقيقة وراء انفجار المرفأ، وفي الوقت نفسه تكشف المتسبب والمفجر والفاسد، من دون إعلان رسمي عنهم، رسالة تؤكد أن أي قاضٍ سيتسلم ملف المرفأ سيضع نفسه وحياته في قلب العاصفة، وهو ما حدث بالأمس مع فادي صوان، ويحدث اليوم مع طارق بيطار، رسالة بمثابة زلزال ستكون له الكثير من التوابع في الزمن الآتي، وتؤكد أن الحكومة الحالية ليست حكومة اختصاصيين، كما قدموها للشعب، وإنما حكومة تابعين يمكن تفخيخها في أي لحظة، رسالة تبلغ من يهمه الأمر أن أمراء الطوائف لن يرحلوا، ولن يهدأوا حتى إسقاط الدولة، وتدمير الشعب، وتخريب الأرض.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"