لا تأكلي المشمش يا عزيزتي أليس

00:03 صباحا
قراءة 3 دقائق

قبل أكثر من خمسة عشر عاماً كتبت في جريدتنا «الخليج» عموداً عن الرسّام المصري محيي الدين اللباد (1940-2010) أتحدث فيه عن كتابه «كشكول الرسّام»، ويجمع فيه بين الرسم للطفل والكتابة إليه بلغة بسيطة حنونة تكشف عن روح أبوية رائعة داخل هذا الرسام الذي وقعت مقالتي بين يديه في القاهرة آنذاك، فكتب إليّ رسالة يشكرني. وقرأت ما بين السطور في رسالة الشكر هذه كلمات رسام طفل أيضاً، وحاز ذلك الكتاب جائزة التفاحة الذهبية في بينالي براتسلافيا 1989.
أكتب الآن عن اللباد، وكتابه الطفولي الذي يحتوي على رسومات ونصوص موجّهة إلى كل فتى وطفل وفتاة وطفلة في العالم كله، وأنا أقرأ كتاباً مشابهاً للرسام والكاتب الفرنسي غي دوليل بعنوان «دليل الأب السييء»، وهو أيضاً نصوص ورسومات موجّهة إلى الأطفال، لا بل موجهة إلى الكبار الذين ما زالوا على قيد الطفولة، وفي داخلهم أطفال لم يكبروا بعد. أما الحكايات التي تدور بين الأب وابنته «إليس» فهي بقدر بساطتها وطفوليتها تحمل عمقاً إنسانياً شعرياً ينطوي على الكثير من الفكاهة بل السخرية، لكن بخفة دم تذهب جميعها بكل ما فيها من حكايات إلى نوع من دروس في التربية التي نعتقد بأن الكبار هم من يعرفون هذه الدروس؛ وإذ بالطفل هذا الكائن الصغير بإمكانه هو أن يعلّم الكبير.
قبل أن أضع بين يدي القارئ واحدة من حكايات ورسومات غي دوليل أشير فقط إلى التلقائية المحببة التي لمستها تماماً في الكتابة التي يمارسها رسّامو الكاركاتير، أو رسّامو الأطفال بتلك الخطوط العارية، إن أمكن القول، فهي كتابة بيضاء تماماً ينجذب إليها الكبير قبل الصغير، وتتجه إلى كل ما هو صغير في داخل كل ما هو كبير.
غي دوليل في كتابه الخفيف الجميل «دليل الأب السيئ» لا يضحك على أبنائه بالألوان والمساحات اللونية المنفوخة بالماء والزيت والشمع والفحم؛ بل يرسم لهم خطوطاً صغيرة «عارية» بسيطة بساطة ولادة فراشة من شرنقة، وبذلك يمكن المرء أن يدرّب نفسه على الصدق وهو يطالع هذه الحكايات والرسومات إذا كان يخاف من الكذب.
قبل نحو عشرين عاماً التقيت رسام الكاريكاتير العالمي جورج بهجوري في ليلة غزيرة بالشتاء في مرسم الصديق الرسام عصام طنطاوي في جبل اللويبدة في العاصمة الأردنية عمان، وبقدر ما كان البرد قارساً يفك العظم، كان دفء بهجوري يملأ المرسم إلى جوار موقد عصام الكريم بالحطب والضحك في تلك الليلة التي حظيت فيها برسمة مباشرة «بورتريه» بريشة بهجوري.
أردت القول إن بهجوري كتب رواية بعنوان «أيقونة فلتس»، تحمل أيضاً، وهي رواية حكاية مصرية لطفل اسمه بهجوري سوف تأخذه أقداره الشخصية والثقافية إلى باريس، وسيقترب الآن من التسعين من عمره وما زال طفلاً إلى الآن.. وبكلمك ثانية وربما ثالثة، يكتب الرسّامون الكبار الذين في دواخلهم كائنات صغيرة للأطفال أفضل مما يكتب، أحياناً، الأدباء الكبار للأطفال.
ولكن هل نسينا قصة حبة المشمش للطفل الكبير «غي دوليل»؟ لا، وتلك هي القصة، أو القصيدة.
«أبي، أبي، أكلت أليس نواة المشمش، يقول الأب: لا يجدر بك يا أليس أن تبتلعي النواة فهذا يا عزيزتي خطر جداً ستنبت شجرة في بطنك. تقول أليس: الأشجار لا تنبت في بطون البشر لأن الظلمة شديدة في البطن وليس هناك من ضوء كافٍ لإنبات الشجرة. وهكذا لو فتحت أليس فمها طويلاً لكان هناك إمكانية في أن تنبت الشجرة. عليك إذاً يا أليس أن تغنّي لفترة أطول» ترجمة: باتريك كامل.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"