العراق ولعبة الشارع

00:37 صباحا
قراءة دقيقتين
افتتاحية الخليج

التحذير الذي أطلقه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر من مغبة «جر العراق إلى الفوضى وزعزعة السلم الأهلي» ليس تحذيراً للتهويل؛ بل هو حاصل عملية تجري في وضح النهار لنسف نتائج الانتخابات الأخيرة التي جرت في العاشر من الشهر الحالي، ووضعت التيار الصدري في صدارة القوى الفائزة، في حين أزاحت قوى سياسية أخرى كانت تراهن على الفوز وتشكيل الحكومة الجديدة، وبالتالي السيطرة على القرار السياسي مجدداً.

إن «عدم الاقتناع بنتائج الانتخابات أمر معيب يزيد من تعقيد المشهد السياسي والوضع الأمني» كما يقول الصدر. والحقيقة أن ما يجري في السر والعلن من تحركات ومواقف صادرة عن القوى التي لم تتمكن من الفوز أو تراجعت حصتها الانتخابية، يشي بأن هذه القوى تحاول تعزيز حضورها داخل ما يسمى «البيت الشيعي»، كما تحاول تعزيز أوراقها من خلال الاستثمار في الشارع، والعمل على إقامة شوارع متضادة، قبل الدخول في أية مفاوضات للتفاهم على تشكيل الحكومة الجديدة، لكن مكمن خطورة هذا التوجه، أن لا أحد يضمن عدم انفلات الشارع، والعواقب التي قد تنجم عن ذلك. فللمرة الأولى منذ الغزو الأمريكي للعراق يبلغ الاحتقان مداه داخل «البيت الشيعي»، في ظل تحول كبير في أدوار القوى التي كانت المهيمنة عليه، وخصوصاً «تحالف الفتح» الذي يمثل «الحشد الشعبي»، و«ائتلاف دولة القانون» بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي.

الحقيقة أن الانتخابات الأخيرة كرست انقساماً طال أيضاً الطوائف والقوميات الأخرى، داخل المكونين السني والكردي، وذلك لا بد أن ينعكس على أدوار هذين المكونين من حيث التحالف مع الآخرين، خصوصاًَ أن حزب البرزاني (الديمقراطي الكردستاني) تمكن من الحصول على حصة الأسد في الانتخابات (33 مقعداً)، في حين تراجعت حصة «الاتحاد الوطني الكردستاني» إلى 17 مقعداً، جراء صراع «أبناء العمومة» على قيادة الحزب، وفشلت «حركة التغيير» الكردية في الحصول على أي مقعد.

أما بالنسبة للمكون السني فقد تمكن رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي (تحاف تقدم)، من أن يحصد غالبية الأصوات 40 مقعداً، مقابل 17 مقعداً لرئيس «تحاف عزم» خميس الخنجر. إن هذه النتائج تعكس أيضاً حالة انقسام مجتمعي، وبالتالي اصطفافات سياسية بشأن تشكيل الحكومة، وطريقة إدارة الدولة في المستقبل، وكذلك النظام السياسي.

إن الحديث عن التزوير و«التآمر»، وتوجيه الاتهامات إلى رئيس الحكومة واللجنة العليا للانتخابات يحمل في طياته عدم اعتراف بنتيجة الانتخابات لأنها لم تحقق رغبات الذين هزموا، فلو أتت النتائج وفق رغباتهم، لكانت الانتخابات نزيهة وشفافة ومعبرة عن إرادة المواطنين.

إن التحريض والتجييش والرفض لعبة خطرة، قد تدخل العراق في صراعات داخلية لا آخر لها، حتى داخل أبناء الطائفة الواحدة. ويكفي العراق ما حل به من مصائب حتى الآن.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"