عادي

خوسيفينا ألديكوا.. الذاكرة كتاب الذات

تنتمي إلى جيل الخمسينات في إسبانيا
00:17 صباحا
قراءة 4 دقائق
1801

القاهرة: «الخليج»

دخلت خوسيفينا ألديكوا عالم الأدب في سِن مبكرة، عندما حضرت أمسية أدبية، وهي في الخامسة عشرة من عمرها، ثم شاركت بعد أعوام مع أبناء جيلها في إطلاق مجلة، صدر منها ستة أعداد، وفي عام 1944 انتقلت عائلتها إلى مدريد، وبعد أربع سنوات تخرجت في كلية الآداب/ جامعة مدريد شعبة التعليم، وفي سنوات الدراسة في الجامعة تعرفت إلى مجموعة من الأدباء شكلوا معاً ما عرف فيما بعد بجيل الخمسينات، وهو أهم الأجيال الأدبية في إسبانيا، وقد لمع أغلب كتابه في مجالات القصة والرواية.

حصلت خوسيفينا في عام 1950 على عمل في لندن، حيث أمضت فيها خمسة أشهر، كان العمل عبارة عن الإنابة عن طاقم الموظفين في بيت للمغتربات، وكانت لها غرفة في البيت، وتتلقى مساعدة مالية بسيطة نظير مشاركتها في الأنشطة الثقافية للمكان، وفي لندن كتبت روايتها «البيت الرمادي» التي نشرت بعد خمسين عاماً من كتابتها (عام 2005)، وكذلك وجدت فكرة لرسالة الدكتوراه التي ناقشتها عام 1959 بعنوان «فن الطفل»، عندما رأت معرضاً لرسومات الأطفال في لندن، واكتشفت مقدرة الأطفال على التعبير الفني، وهذا الموضوع لم يكن معروفاً في إسبانيا.

تنتمي خوسيفينا إلى جيل الخمسينات، الجيل الذي شهد أبناؤه وهم في سن ما بين 6 و10 سنوات ويلات الحرب الأهلية الإسبانية، وصبغت هذه التجربة كتّاب هذا الجيل بطابع من الحزن والرقة، وعاش سنوات المراهقة في أثناء الحرب العالمية الثانية، ووصل إلى الجامعة في الأربعينيات من القرن الماضي، في فترة الرقابة الصارمة وديكتاتورية فرانكو.

اشتهر هذا الجيل بالواقعية الاجتماعية وأكمل مسيرة الجيل الذي سبقه مع إضافة تأثيرات أخرى، من الأدب الأمريكي والفرنسي، كذلك تأثر بالواقعية الإيطالية الجديدة، والأدب الروسي، لذا تؤمن الكاتبة بالواقعية الاجتماعية، وترى أنها «القاعدة الأساسية لأي فن، وأن مفادها ليس المثالية وإنما التزييف»، وترى أن كل كتّاب جيلها نهلوا من ذكريات الطفولة لخلق واقعهم الأدبي.

شاركت الكاتبة مع زوجها في كتابة سيناريو فيلم سينمائي بعنوان «الأركان الأربعة» وكان لديها العديد من المشاريع الكتابية، لكن هذه الأحلام أوقفها موت زوجها بأزمة قلبية مفاجئة عام 1969 وتوقفت عن الكتابة لفترة، ثم عادت واستأنفت نشاطها عام 1979، وفي عام 1983 قامت باختيار وتقديم وتحليل موجز لعشر قصص لعشرة كتّاب من أبناء جيلها، وتدور أحداث القصص كلها في أثناء الحرب الأهلية الإسبانية، ومعظم أبطالها أطفال، وحمل الكتاب عنوان «أطفال الحرب».

بعد ذلك توالت أعمالها: «شجرة اللبلاب – لأننا كنا شباباً – البستان» لكن «حكاية معلمة» حققت لها شهرة كبيرة، دفعتها إلى كتابة الجزء الثاني: «نساء بملابس الحداد» لتشكل مع «سطوة القدر» ثلاثية الذاكرة، حيث اتسمت فترة التسعينات باستعادة الذاكرة الجمعية، خاصة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية التي مرت بها إسبانيا في الثمانينات، ما دفع كثير من الكتّاب إلى كتابة شهاداتهم، حتى تعرف الأجيال الشابة بما حدث، تقول خوسيفينا: «التاريخ ليس التاريخ الرسمي الموجود في الكتب، وإنما تاريخ الناس، الناس الذين عاشوا وشعروا وعانوا في تلك السنوات التي لا يمكن نسيانها».

محاور

يعد عنصرا الزمن والذاكرة من أهم المحاور التي شغلت الكاتبة، حيث ترى أن الماضي هو كل ما نملك، فبالنسبة إليها تعد الذاكرة هي المصدر الرئيسي للإلهام، وتقول إن كل واحد منا مسؤول إلى حد كبير عما يصل إليه، وإن شخصيته وتكوينه يؤديان به إلى مصيره، والأدب بالنسبة إليها طريقة للتواصل مع الآخر، و«إيقاظ الرغبة في البحث عن ذاته».

استغرقت كتابة «ثلاثية الذاكرة» عقداً كاملاً، وهي من أهم أعمالها الروائية، وقد ترجمت الجزء الأول منها إلى العربية هيام عبده محمد، وكانت صورة غلاف الطبعة الأولى من الرواية من الأرشيف الشخصي للكاتبة، حيث تظهر والدة الكاتبة التي عملت معلمة في الحقبة التاريخية التي تتناولها الرواية، ومن حولها الأطفال، وتظهر بينهم خوسيفينا ألديكوا.

في الرواية تتضافر الذاكرة الشخصية للبطلة مع عناصر السيرة الذاتية للكاتبة لتؤكد أن التاريخ الجمعي للبلد لا يمكن أن ينفصل عن حياة الأشخاص الذين يعيشون فوق أرض هذا البلد، وخير دليل على ذلك هو أحداث الرواية التي تبدأ عام 1923 بحدثين: أحدهما شخصي لجابرييلا بطلة الرواية، وهو يوم تخرجها في مدرسة المعلمات ومشاهدتها لحدث قومي، وهو زفاف الضابط فرانسيسكو فرانكو الرجل الذي سيحكم إسبانيا على مدار 36 عاماً.

تنسى البطلة الزفاف الذي تقرأ أخباره صباح اليوم التالي في الصحف، وتبدأ حلمها بإسبانيا جميلة ومتقدمة، وتقابل مدرساً شاباً يشاركها حلم الحماس والتعليم، ويجوبان المناطق المعزولة، وينجبان طفلة يصادف مولدها الجمهورية الثانية في إسبانيا عام 1931 ويدفع الزوج ثمن الحلم وإيمانه بأفكار الجمهوريين، مع اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية عام 1936 ومعها ينتهي الحلم، وترى جابرييلا وطفلتها في الصحيفة صورة الرجل الذي رأت موكب زفافه، يطوف الشوارع في يوم تخرجها، ولم تكن تعلم وهي تشاهد الموكب أن هذا الرجل سيغير مجرى حياتها.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"