أرواح القطة السبع

00:13 صباحا
قراءة 3 دقائق

اقرأ معي ما يكتبه الكبار عن الكبار من شعراء العالم بلا حسد، وبلا ألغام صوتية مزروعة في السياقات، وبلا ضغائن. الأهم بلا ضغائن، فالأسوأ في العداوات بين الشعراء، بخاصة الشعراء العرب، هو الضغينة التي لا ينظفها أو يزيلها من «ثياب المرء» كل صابون العالم.
دعك من كل هذه التداعيات التمهيدية، واقرأ ما كتبه الشاعر التشيلي بابلو نيرودا عن الشاعر الإسباني رفائيل ألبيرتي. يقول نيرودا «إن رفائيل ألبيرتي يعني بريق الشعر في اللغة الإسبانية، فهو ليس شاعراً مطبوعاً فحسب، وإنما هو أيضاً عالم من علماء الشكل، إن لشعره كما لوردة حمراء متفتحة في الشتاء بمعجزة».
ولكن لماذا يكتب نيرودا عن ألبيرتي بهذه اللغة القلبية التي لا تخرج إلّا من روح لا تعرف الكراهية؟ الإجابة: إنه يكتب بهذه الروح، لأنه يكتب في الوقت نفسه عن روح الشعر.
في كل قراءاتي عن الشعر،  لم أقرأ ما يشابه أو يتجاوز ما كتبه نيرودا عن هذا الفن الإنساني  في سياق ما كتبه عن ألبيرتي. يقول نيرودا عن الشعر «الشعر لم يمت، فللشعر أرواح القطة السبع. قد يزعجونه. قد يسحلونه في الشارع. قد يسخرون منه. قد يحاصرونه لإغراقه. قد ينفونه. قد يحبسونه، وقد يطلقون عليه أربع رصاصات، ولكن الشعر يخرج من كل هذه الحوادث العارضة بابتسامة من أرز».
كتب نيرودا هذه الكلمات عن الشعر في مناسبة احتفائه بصديقه ألبيرتي في نحو أواسط ستينات القرن العشرين أو أوائل السبعينات منه، أي أن الشعر لم يمت، وله أرواح القطة السبع، ويخرج دائماً بابتسامة من أرز قبل نحو أكثر من ستين عاماً. كأن هناك من كان يتحدث عن موت الشعر في الستينات والسبعينات تلك، ولكن الشعر لم يمت.
دعنا نَعُد مرة ثانية إلى ما يكتبه الكبار عن الكبار.. اقرأ ما كتبه مؤسس ومدير مهرجان ميدين الدولي للشعر في كولومبيا الشاعر فرناندو ريندون عن الشاعر الأمريكي جاك هيرشمان. كتب ريندون «إن جاك هيرشمان كان شعلة من الحماس. هو المحرك المثير للجدل لقاطرة حركة الشعر العالمية، خلال الأشهر الأخيرة من حياته، بوضوح مذهل وعناد وروح دعابة. كان رجلاً ساحراً وكريماً أزال ضحكة اي شك».
إذا توقفت عند صفتين أوردهما ريندون في شخصية هيرشمان فلا بد أن تتوقف عند «روح الدعابة» و«الضحك»، وقليلاً ما يضحك الشعراء إلّا ممدوح عدوان، وعلي الجندي في دمشق.
كانا يملآن بردى بالضحك والدعابة. صداقة وبياض قلب وابتسامات من أرز في سوريا كلها وفي كل عاصمة عربية كانا يحلّان بها، وإذا صادف أن التقى عدوان والجندي في مهرجان شعر في عمّان أو في تونس أو في القاهرة، فهو ليس مهرجان شعر، بل مهرجان ضحك ودعابة، لكن إذا كان للشعر أرواح القطة السبع، فإن للشاعر روح قطة واحدة، فقد غاب الضحكان، ضحك عدوان وضحك الجندي عن دمشق وعن أي مهرجان.
في علاقة ممدوح عدوان بعلي الجندي شيء مما في علاقة نيرودا بألبيرتي.. النبل والصداقة والبياض، وهكذا يكتب الكبار عن الكبار، أو يداعب الكبار الكبار، ويمتلئ المكان بالضحك.
الاصفرار، واللون الأصفر المدموغ باللون الأسود وحدهما إذا دَمَغا ودَبَغا الشعر، عندها فقط يموت.
اكتب على مذهب نيرودا، واضحك على مقام ممدوح عدوان، فلربما تكون لك أرواح القطة السبع.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"