خواطر في التأقلم المستقبلي

00:15 صباحا
قراءة دقيقتين

هل تتطلب تحولات العصر ضرورة تغيير نمط التفكير؟ هذا قليل، فما يجب تغييره هو إطار التفكير، النموذج الفكري. الذين عليهم أن يكونوا الطليعة، لا في الطليعة، هم واضعو المناهج. الموضوع عامّ بلا حدود، لأنه خصوصي جدّاً في كل ميدان. ليست هذه دعوة إلى قطيعة مع الماضي، فالمطلوب هو أن يتجدّد من الماضي ما هو أهل لأن يتجدّد.
العصر يشكل بيئة لها خصوصياتها، التي تفرض تأقلماً محدّداً. بداهة، أنت لا تستطيع أن تفهم الشعر الجاهلي، إذا أنت لم تضع لدماغك نموذجاً فكرياً أنثروبولوجياً، ترى من خلاله مقومات الذهنية لذلك المحيط ومنظومة قيمه وموروثه أساطيرَ ومعتقداتٍ وسلوكيات. من هنا، يجب التسليم بأنه ليس في الإمكان التوافق والتجاوب مع بيئتي الحاضر والمستقبل، بمنظومة الميراث الثقافي بحذافيرها، كما لو كانت ثوابت أبديّة.
الحمد لله على أن أنظمة التعليم أدركت منذ أوائل القرن العشرين أنه لا ينبغي بحال تدريس النحو على طريقة «ألفية بن مالك»، لكنها لم تجرؤ على تبسيط القواعد. من أين جاء الأفاضل بأنها مقدسات لا يجوز المساس بها؟ هؤلاء والذين يفكّرون على نحوهم، لا يدركون أنهم، بهذا الموقف الذي يلوح لهم حفاظاً على الأصالة، يعرقلون تطوّر مجالات حيوية شتى، من بينها: إصابة تدريس اللغة العربية بالكساح وتجمد الدم في الشرايين، وفي المستوى نفسه من الخطورة، تسمّر العمل المعجمي في الماضي السحيق. إلى الآن يلجأ العربي إلى «لسان العرب، الصحاح، القاموس المحيط، تاج العروس، العباب الزاخر...». كيف يُعقل أن أستشهد في عربيتي، في القرن الحادي والعشرين، ببيت جاهلي للبرهنة على فصاحتي؟ شاعر مثل ابن زيدون، ممنوع الاستشهاد بشعره في النحو، أمّا أحمد شوقي فنجوم السماء أقرب، وأمّا نزار فعشم فلان في الجنة.
اليوم، يجب أن يُسأل واضعو المناهج: كيف يجب أن يكون مقرّر اللغة العربية المتدرج عبر المراحل، في العصر الرقمي؟ كيف يمكن التوفيق، تربويّاً، نفسيّاً وذهنيّاً، على صعيد توازن الشخصية، بين الموروث الأدبيّ، الشعريّ تحديداً، وبين مستجدات الذكاء الاصطناعي الطامح إلى الوعي، الخوارزميات في كل صغيرة وكبيرة، الجيل الخامس وانعكاساته، ثورة طبيعة المعلومات في علوم الأرض والكون والفلسفة؟ متى ستطرح هذه الأسئلة إذا لم تطرح الآن؟
 لزوم ما يلزم: النتيجة البديهيّة: لا شك في ضرورة تدريس العربية وآدابها، لكن ما الذي يجب تدريسه وكيف؟ هذه هي المسألة.
 [email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"