سلاسل التوريد تحت الضغط

22:18 مساء
قراءة 3 دقائق

د. عبدالعظيم محمود حنفي *

تسببت جائحة كورونا بأزمة هائلة غير مسبوقة في سلاسل التوريد على مستوى العالم. وتعد أزمة الطاقة التي بدأت في الصين أحدث صدمة لسلاسل التوريد العالمية، إذ تضطر المصانع في أكبر دولة مصدِّرة في العالم لتقليص استهلاك الطاقة من خلال كبح الإنتاج، مع ارتفاع أسعار المواد الخام العالمية والأزمة اللوجستية الناتجة عن الارتفاع الحاد في رسوم الشحن البحري التي شهدت ارتفاعاً كبيراً. وطبقاً لدوائر الملاحة البحرية، سجل مؤشر شنغهاي لشحن الحاويات 4 أضعاف ما كان عليه في العام الماضي، حتى الأول من أكتوبر/ تشرين الأول، بسبب أزمة الطاقة. كما أن التعافي الاقتصادي من ركود الجائحة من بين أسباب الأزمة الحالية، خاصة بعد عام من انكماش استخراج الفحم والنفط والغاز. إن أسعار الطاقة ونقصها يؤثران بشكل كبير في النمو الاقتصادي؛ ولأن الطاقة هي أهم عناصر التصنيع، فإن استقرار الأسعار والإمدادات أمر أساسي للقدرة التنافسية الاقتصادية. ومن ثَمَّ تتعامل معظم بلدان العالم مع أمن الطاقة على أنه أمن قومي لها.
وتتفق معظم التحليلات على تعدد أسباب انقطاع التيار الكهربائي في الصين، وما ترتب عليه من اضطرابات الإنتاج، أبرزها: فرض كل من الصين وأستراليا عقوبات على سلع بعضهما بعضاً منذ شهر مايو/ أيار من العام الماضي، بسبب صراعات سياسية واقتصادية. فقد امتعنت الصين عن استيراد الفحم الأسترالي اعتقاداً منها بإن هذا سيضر أستراليا، لكن أستراليا اتجهت إلى تصدير الفحم لدول أخرى مثل الهند، بينما أدى الانخفاض الحاد في واردات الفحم في الصين إلى ارتفاع أسعار الفحم هناك. وبالتالي قامت الصين باستيراد الفحم من إندونيسيا، لكن الفحم الإندونيسي أقل كفاءة بنسبة 50% مقارنة بالفحم الأسترالي. 
وعلاوة على ذلك، بدأ خلال فصل الخريف موسم التدفئة في شمال الصين، وقد تسبب ذلك في زيادة الطلب على الفحم. وأدى نقص إمدادات الفحم وقلة كفاءته إلى إجبار بعض محطات الطاقة التي تعمل بالفحم على الحد من توليد الكهرباء، علاوة على أن سياسة الحكومة الصينية الصارمة في استهلاك الطاقة كانت سبباً آخر لأزمة الطاقة الشديدة في البلاد. 
وكانت الحكومة سابقاً تقصر امتداداتها من الكهرباء على المصانع التي تستهلك قدراً كبيراً من الطاقة، وفي الواقع، ظلت هذه القاعدة فضفاضة إلى حد ما. ولكن منذ أن وعد الرئيس الصيني تشي جين بينج، بتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2060، فرضت الحكومات المحلية هذا الإجراء بصرامة للحد من استخدام الطاقة. في حين تتحدث بعض التقارير الاقتصادية عن فرض الحكومة الصينية قيوداً صارمة على استخدام الوقود الأحفوري، بسبب رغبتها في إظهار سماء بكين زرقاء صافية للعالم أجمع خلال دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين في عام 2022 باعتبار أنها تقدم للحكومة الصينية فرصة جديدة لحشد القومية وسط الشعب الصيني الذي يبلغ تعداده 1.3 مليار نسمة، وبناء قوة الصين الناعمة التي ادخرتها خلال دورة الألعاب الصيفية 2008. وتوقعت بعض بنوك الاستثمار العالمية في البداية أن الاقتصاد الصيني سينمو بنسبة 7% إلى 8% هذا العام، لكنها خفضت تقديراتها إلى نسبة 6 %، بسبب أزمة الطاقة في البلاد. 
واستحوذ الاقتصاد الصيني على 28% من النمو الاقتصادي العالمي في الفترة من 2013 إلى 2018، ما يعد ضعف حصة الولايات المتحدة، ما يشير إلى أن الصين لها تأثير هائل في الاقتصاد العالمي، باعتبارها «مصنع العالم»، سيؤدي تعطل الإنتاج الناجم عن نقص الطاقة فيها إلى منع العالم بأكمله من إنتاج السلع في الوقت المناسب. 
كما قد يؤدي عدم توافر المنتجات إلى زيادة التضخم الذي من الممكن أن يرتفع بدرجة أكبر بسبب السيولة التي تضخها حكومات دول العالم في الأسواق لمكافحة جائحة «كورونا». ويخشى أن يؤدي ذلك الوضع إلى حدوث ركود تضخمي، بحيث يتزايد التضخم بينما ينحسر الاقتصاد. ويرى محللون أن معدل النمو السنوي في الصين قد ينخفض أكثر إذا أفلست مجموعة شركات عملاق العقارات الصيني «إيفرجراند»، بعد أن تجاوزت الديون المستحقة عليها حاجز 300 مليار دولار، وإذا فشل الطلب المحلي في التعافي في ظل أزمة إمدادات الطاقة الحادة.
لقد أظهرت أزمة نقص الطاقة على مستوى العالم، مخاطر التخلي عن الوقود الأحفوري قبل أن يكتمل نمو مصادر للطاقة المتجددة. ويبقى السؤال المفتاحي عن مدى استعداد العالم لثورة طاقة خضراء، في وقت يجد فيه صعوبة في توافر الطاقة حالياً.

* أكاديمي مصري

عن الكاتب

​كاتب مصري - أستاذ للعلوم السياسية والاقتصادية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"