غلاسكو ومشكلة المناخ

22:20 مساء
قراءة 4 دقائق

د. لويس حبيقة *

قمة أكتوبر/تشرين الأول للأمم المتحدة بشأن المناخ في غلاسكو في بريطانيا هي في غاية الأهمية بسبب الضرر الذي تسببه السخونة الأرضية للإنسان ولكافة الكائنات الحية. العالم واع إلى أن حماية الطبيعة تتطلب جهداً عالمياً مشتركاً، المشكلة كبيرة وتنتقل من دولة الى أخرى. هنالك دور كبير للمؤسسات الأممية كالبنك الدولي في تحديد عمق المشكلة وامتدادها كما في تأمين الأموال الكافية لتصحيح الخلل البيئي. هذه بداية لفترة جديدة يتم خلالها مواجهة الأخطار البيئية من كل دول العالم. إذا لم يفعل العالم شيئاً سيخسر سنوياً، كل سنة 5% من الناتج العالمي، أي سنعود مع الوقت إلى الفقر العميق.
سيفرض التغير المناخي على نحو مليار شخص أن ينزحوا من أماكن عيشهم من الآن حتى سنة 2050. يُحدِث التغير المناخي أزمات وخلافات ربما عسكرية بين الدول بسبب المياه والطاقة المتأثرة كما بسبب ندرة كافة السلع والخدمات وخاصة المواد الأولية. لا شك أن البطالة والدخل يتأثران جداً بما يحدث في الأرض، وبالتالي ترتفع مؤشرات الفقر بسبب التلوث ومصائب المناخ. هنالك فرصة اليوم تتعلق بتغير الطاقات المستعملة والتوجه أكثر إلى النظيفة، أي غير الملوثة لأن أسعارها تدنت مع التطور التكنولوجي الكبير. من منا لا يشعر بالتغير المناخي الذي ضرب الفصول الأربعة وأصبحنا عملياً في مناطق متعددة مع مناخ ذي فصلين، حار طويل ومعتدل قصير. لا شك أن التغير المناخي هو مشكلة علمية وعملية تضرب كافة السياسات العامة وتصيب الإنسان في حياته اليومية. للتغير المناخي تأثيرات كبرى سلبية على كافة الأسواق. الاستهلاك من دون حدود وبكافة الوسائل أضر بكل شيء وجعل الحياة أصعب ومضرة لصحة الإنسان كما لبقية الكائنات الحية.
هنالك ضرورة لأن تتأقلم العلوم الاقتصادية مع مستجدات المناخ ومنها تخفيف كمية الاستهلاك ووسائله منعاً للضرر البيئي المتزايد، وللانتقال من استهلاك الطاقة الملوثة إلى الطاقة النظيفة كالشمسية، وهو أهم بكثير من تخفيف استهلاك الطاقة الملوثة التقليدية كالفحم. من الضروري اليوم قبل الغد إدخال التغير المناخي في كل الدراسات الاقتصادية ليس فقط فهماً للحاضر، وإنما من أجل التحضير لمستقبل نظيف، يمكن أن تعيش معه كل الأجيال المستقبلية. إدخال المناخ في الدراسات يغير كل المعادلات الاقتصادية، خاصة العلاقة بين أرقام اليوم المعروفة ومؤشرات المستقبل المتوقعة. علاقة الإنسان بالطبيعة يجب أن تتغير، وهذا ليس دائماً سهل التطبيق بسبب العادات والمصالح والفساد المادي الكبير.
لا شك أن الاقتصاد العالمي تطور كثيراً في العقود الماضية؛ إذ تشير الإحصاءات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي العالمي زاد 15 مرة منذ سنة 1950 حتى سنة 2019 أي قبل كورونا، ولا بد وأن يعود إلى النمو بعد السيطرة الكلية على المشاكل الصحية. تدنى عدد الحيوانات بمختلف أنواعها 68% منذ سنة 1970 وحتى 2016 بسبب التغير المناخي والحرائق المؤلمة التي حصلت في كل مكان خاصة في أستراليا وكالفورنيا وغابات الأمازون وغيرها والتي أحدثت أضراراً لم تقيم جدياً بعد. هنالك وقائع يجب أن تعالج كي يخفف العالم الخسائر الطبيعية وبالتالي قمة غلاسكو هي في غاية الأهمية:
أولاً: أهملت العلوم الاقتصادية الثروة الحياتية والبيئية وتم التركيز على النمو والناتج المحلي حتى لو أحرق الإنتاج الأرض وضرب التربة والصحة ولوث الهواء والماء. النمو المادي من دون حدود مضر للطبيعة وللإنسان، يجب أن تعدل العلوم الاقتصادية مقياس النجاح والتفوق في الحياة أي أن زيادة الناتج ليست دائماً مثالية، خاصة عندما تضر بالطبيعة. في الاقتصاد حتى اليوم النجاح هو زيادة الإنتاج ويتم تجاهل التأثيرات البيئية الخطرة، هنالك ضرورة لتوجيه المجتمعات نحو المعايير الفاضلة التي تؤسس لاحترام البيئة منذ الصغر في كل المدارس وثم الجامعات. كُلفة التلوث الباهظة لم تدخل العلوم الاقتصادية إلا مؤخراً، وما تزال تقنياتها الرقمية والإحصائية بدائية.
ثانياً: المهم جداً ألا يتعدى طلب المجتمعات من الطبيعة ما يمكنها أن تعرض علينا دون أن تدمر نفسها. هذا يعني أن استعمال الإنسان للثروات الطبيعية يجب أن يكون ضمن حدود واضحة تمنع الضرر الطويل الأمد. هنالك أهمية استثنائية للسياسات المالية التي توجه الإنفاق نحو الحاجات الأساسية؛ إذ لا مانع مثلاً أيضاً من وضع ضريبة على التلوث ضمن سياسات وقواعد وإجراءات مناسبة لكل مجتمع. حسن استعمال الطاقة وتحويل الاستعمال إلى طاقات أقل تلوثاً كما وقف الهدر أساسي في مجتمعات تعاني أكثر فأكثر التضخم والقلة، تطوير الاقتصاد الدائري مهم؛ بحيث يتم تدوير كافة السلع لتستعمل مجدداً لأن الأرض لم تعد تحتمل تخزين كل السموم.
ثالثاً: تفرض المسؤولية علينا كمجتمعات أن نطور الطبيعة أي أن نستثمر فيها. لا يكفي أن نعالج الخسائر وأن نحمي الموجود؛ بل علينا تطوير التربة وتنظيف المناخ، أي خاصة الماء والهواء. يجب الوصول إلى أوضاع لا نضيف خلالها إلى التلوث القائم أو ما يعرف بتلوث إضافي «صفر القيمة». الاستثمارات في الطبيعة مهمة جداً؛ بحيث تخلق فرص عمل، وتسمح للمؤسسات بالاستثمار في التجدد والابتكار، أي إدخال العلوم الرقمية والذكاء الاصطناعي وغيرها إلى كافة القطاعات. كما تطمئن كافة المجتمعات إلى صحة الطبيعة المستقبلية.
رابعاً: مؤسسات القطاع الخاص كما العام ليست مهيئة حتى اليوم لتقييم الخلل البيئي وهي ليست جاهزة تقنياً ومادياً وبشرياً لمعالجة الخسائر الطبيعية. وزارات البيئة حديثة نسبياً والأموال المتوافرة لها هي عموماً قليلة مقارنة بالحاجات الأخرى كالأمن والدفاع والبنية التحتية وغيرها. لا إصلاح بيئي من دون أموال تتناسب مع الأهداف الكبيرة التي يجب الوصول إليها. المطلوب تغيير العقليات وتطوير الإمكانات كي تستطيع كافة المؤسسات مواجهة الأخطار البيئية المختلفة.
هنالك أمل كبير بأن ما سيتحقق في غلاسكو يفوق بأهميته ما اتفق عليه في مؤتمرات الريو وكيوتو وباريس وغيرها.
* كاتب لبناني

عن الكاتب

​خبير اقتصادي (لبنان)

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"