أزمنة الإذاعة

01:34 صباحا
قراءة دقيقتين

درج البعض على وصف زمنٍ مضى بأنه «زمن الإذاعة»، يوم لم يكن لا التلفاز، ولا دور السينما ظاهرتين واسعتي الانتشار، وكان الراديو هو مصدر المتعة والمعرفة والتسلية، فمنه نسمع الأغاني والموسيقى، ونتابع الأخبار، ونتسلى بالتمثيليات الإذاعية أو الحوارات والمقابلات الشائقة مع الوجوه الفنية البارزة أو الشخصيات العامة.
مع الوقت ظهرت وسائل منافسة للإذاعة، فانتشرت دور السينما، ودخلت أجهزة التلفزيون البيوت، ثم أتى زمن وسائل التواصل الاجتماعي بعد الثورة الرقمية التي أوجدت عالماً جديداً، بالمعنى الحرفي للكلمة، يختلف في الكثير من أوجهه عما سبقه.
لكننا أميل إلى الحديث عن «أزمنة» الإذاعة، لا عن زمن واحد، لأن الوصف الأخير يعطي الانطباع أن هذا الزم قد ولّى وأصبح ماضياً، وبعده لم يعد للراديو من وجود في حياتنا، وهذا غير دقيق، لا بل غير صحيح بالمرة، فالراديو ما زال حاضراً معنا، نستمع إليه بمتعة لا تقل عن المتعة السابقة، التي كان فيها هو السيد الذي لا تنازعه وسيلة أخرى مشابهة، ولم تفلح الوسائل التي أتت بعده في إقصائه من الحضور والتأثير، فاستمرّ يقاسمها في ذلك، ويُكيّف القائمون على الإذاعات الأداء فيها بما يناسب المستجدات.
أعدّ نفسي من أبناء الجيل الذي ارتبطت طفولته بالإذاعة، وإن كنا لا ننكر الدهشة والبهجة اللتين اجتاحتا نفوسنا عندما أصبحت أجهزة التلفاز في بيوتنا في سن مبكرة، حيث أسرنا ما أصبحنا نشاهده على شاشاتها من أفلام بالأسود وألأبيض، ومن أغانٍ نحبها، وبرامج نتابعها، لكن الراديو لم يختف، خاصة أن ساعات بث التلفاز كانت معدودة في مساء كل يوم، وتنتهي عند منتصف الليل، قبل أن يأتي زمن البث لمدة أربع وعشرين ساعة، فيما الإذاعة تبث صباحاً ومساء.
واستمرت علاقتنا مع الراديو حتى اليوم، ولا أعلم إذا كان في هذا شيء من الحنين إلى أزمنة مضت، نذكرها بمحبة وشجن، ويأسرنا ما ألفناه فيها من عادات، أم أنه يعود إلى حقيقة أن الراديو ما زال مصدر متعة وتسلية ومعرفة.
لكل منا أوقاته وأمكنته في الاستماع للراديو، وفي اختيار ما يعجبه من برامجها. كثيرون يفضلون الاستماع إليه وهم يقودون سياراتهم، وهو أمر اعتدته، شخصياً، عشرات السنين، ومع الوقت أصبحتُ حريصاً على أن يكون الراديو على طاولة عملي بالمنزل. لا أقلب محطاته كثيراً، فلديّ محطتان أو ثلاث مفضلة يناسب الاستماع إليها هواي، أهمها على الإطلاق ما يعرف عندنا ب «الإذاعة الطربية» التي تبث أغاني الزمن الموصوف بالجميل.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"