احتراق.. دعوة لإنقاذ العالم

النضال من أجل العدالة المناخية
22:44 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
1
1

عن المؤلف

الصورة
1
كريس سالتمارش
كريس سالتمارش هو ناشط بيئي وأحد مؤسسي منظمة «العمل من أجل صفقة خضراء جديدة».

 لم تعد أزمة المناخ مستقبلاً نخشى منها، لأنها أصبحت حقيقة مدمرة نراها في حرائق الغابات والفيضانات. الأحداث المناخية المتطرفة التي كانت تحدث مرة كل جيل، نجدها تحدث الآن كل عام. يمثل الكتاب دعوة قوية لحركة جماعية راديكالية مفادها: إنقاذ العالم ليس كافياً، يجب أن نبني عالماً أفضل.

 يكشف هذا الكتاب عن مركزية الرأسمالية في أزمة المناخ وأهمية العدالة في استجابتنا لها. يسأل لماذا لم تحقق حركة المناخ نجاحاً محدوداً حتى الآن؟ وإلى أي درجة يمكن أن تصبح الحركات الشعبية الجديدة مصدراً للأمل. يدافع المؤلف كريس سالتمارش عن سياسة العدالة المناخية الاشتراكية الموجهة نحو صفقة خضراء جديدة واقتراح استراتيجية لتحقيقها في عشرينات القرن الحالي وما بعدها، خاصة أنه يجد أننا نعيش في عالم يخذلنا فيه المسؤولون باستمرار، بالتالي فإن التغيير الحقيقي في حياتنا يعني أخذ السلطة بأيدينا. يقول: «إن المهمة التي تنتظرنا شاقة، لكن ظهور موجة جديدة من الحركات التي تركز على العدالة المناخية والمساواة والتضامن تجلب الأمل أيضاً». يجد كريس سالتمارش بأن الطبيعة السياسية العميقة للأزمة البيئية قد تم التقليل من شأنها بشكل كبير. ويتساءل: «بعد كل شيء، كيف يمكن أن تنقذنا الألواح الشمسية بينما تولي الرأسمالية الأرباح أهمية أكثر من مستقبل الكوكب؟».

 يقول المؤلف: «عندما تفكر في تغير المناخ، قد تشعر بالخوف أو القلق أو لا تشعر بشيء على الإطلاق. قد تجعل القصص عن قمة الأمم المتحدة الأخيرة للمناخ، مسألة المناخ تبدو وكأنها قضية مجردة ليس لديك سلطة عليها شخصياً. عندما ترى إعصاراً حدث قبل وقت قصير يمزق مدينة ضخمة، قد تتوقف عن التفكير في الأمر. أو قد تكون أحداث الطقس المتطرفة هذه دائماً في ذهنك، ولا مفر منها لأنها تبقيك مستيقظاً في الليل. قد تنظر إلى تغير المناخ على أنه شيء يخص الهيبيين أو مجرد مصدر قلق للطبقة الوسطى، أو قد تتمنى أن يستيقظ الجميع ويأخذوا هذه الأزمة الوجودية الواضحة بجدية أكبر: الكوكب يحترق! يمكنك أو لا يجوز لك إعادة التدوير. يجوز أو لا يجوز لك أن تأكل اللحوم. يمكنك أن تخوض رحلات طويلة المدى أو لا. قد تشعر بأنك مجبر على قطع طريق أو حبس نفسك في موقع نفطي أو يتم اعتقالك لوقف تغير المناخ. قد ترغب في القيام بشيء ما، لكنك لا تعرف ماذا أو كيف؟». 

 دعوة إلى العدالة المناخية

 يدعو المؤلف في هذا الكتاب أولئك المستعدين للدفاع عن العدالة المناخية وأولئك الذين لم يفكروا في أنفسهم كناشطين. لأنه بدونهم، لا توجد أي فرصة للفوز، قائلاً في هذا السياق: «ما هو الظلم الحاصل بشأن تغير المناخ؟ باختصار يعود الأمر إلى النخبة الثرية التي تستفيد من العمل كالمعتاد، بينما يتحمل الناس العاديون تكاليف تهورهم وطيشهم. في قصة تغير المناخ هذه، أصحاب الشركات المؤثرة هي المسؤولة. هؤلاء يدعمون نظاماً اقتصادياً يستفيدون منه، بينما العالم مشتعل. نحن - الناس العاديون في كل حي وبلدة ومدينة ودولة في العالم – الأبطال الفعليون. بما أن الآثار المدمرة لتغير المناخ تصطدم بعقود من الحرمان الاقتصادي، فإننا نملك فرصة تاريخية لتحويل أنظمتنا السياسية والاقتصادية العالمية لوضع الناس قبل الربح. يمكننا تغيير علاقتنا بالعالم الذي نعيش فيه وإصلاح الأضرار التي سببها بالفعل تغير المناخ».

 يتحدث المؤلف عن بداياته في الاهتمام بتغير المناخ قائلاً: «في سن السادسة عشرة، بدأت حملة بيئية في الكلية ضد جميع أنواع النفايات (الطعام والماء والورق)، وتناول وجبات خالية من اللحوم أيام الاثنين وضد الطيران غير الضروري. باختصار، كنت من دعاة حماية البيئة الليبراليين الذين لا يطاقون. لم تكن لدي أي فكرة عن المضربين الشباب الذين كانوا ينزلون إلى الشوارع، غالباً في سن أصغر، مع إضرابات شهرية تطالب بالعدالة المناخية ومطالب متطرفة مثل الصفقة الخضراء الجديدة. في سن الثامنة عشرة، أصبحت ناشطاً في مجال العدالة المناخية. في أول يوم لي في جامعة شيفيلد، انضممت إلى حملة سحب الاستثمارات من الوقود الأحفوري للجامعة لوقف الاستثمار في شركات الوقود الأحفوري. كان هذا بمثابة تعليم في التنظيم حول سياسة مناخية معادية بشكل واضح للشركات. في الوقت نفسه، انخرطت في حملات العمل المباشر، بما في ذلك الغزوات الجماعية لمناجم الفحم وحصار. انضممت إلى حملات من أجل من أجل عدالة الإسكان والتضامن مع فلسطين. في وقت لاحق، انضممت إلى حزب العمل؛ حيث فتحت قيادة جيريمي كوربين الحزب كأداة للسياسة الراديكالية. علمني الانخراط في تنظيم المناخ واليسار في نفس الوقت قيوداً كلاهما وكذلك كيفية الاستفادة من بعضهما البعض، للفوز معاً».

 ويضيف: «نحن بحاجة إلى سياسة مناخية تواجه الرأسمالية باعتبارها السبب الجذري للأزمة وتقدم رؤية بديلة مقنعة للمجتمع. نحن بحاجة إلى يسار قوي يأخذ تحديات وفرص تغير المناخ على محمل الجد، من خلال رسم الروابط بين القضايا البيئية وتلك التي تؤثر في حياة الناس اليومية».

 تأثيرات متعددة على المناخ

 يستشهد المؤلف بخطاب ألقاه مات وراك، الأمين العام لاتحاد رجال الإطفاء في سبتمبر 2019، لدعم الاتفاق الأخضر الاشتراكي الجديد في مؤتمر حزب العمال. 

وقال للمندوبين: «الآن بالنسبة لنا، في صناعتي، هذه مسألة صناعية اليوم. إنها مسألة نقابية اليوم. يتعامل رجال الإطفاء في المملكة المتحدة مع آثار تغير المناخ في كل يوم من حياتهم العملية مع ظواهر الطقس المتطرفة. إنها مشكلة لرجال الإطفاء في جميع أنحاء العالم. ويمضي وراك في إعطاء مثال 2013 على حريق يارنيل هيل في ولاية أريزونا؛ حيث قتل 19 من رجال الإطفاء. جميعهم كانوا أعضاء نقابيين ماتوا في العمل. وسط الجفاف الشديد، تم تكليف طاقم بمكافحة حريق مساحته 300 فدان على ارتفاع 850 قدماً فوق جبال ويفر. حدثت عاصفة رعدية، امتصت الهواء، ثم انفجرت بنار مثل انفجار بركاني. حصد الطقس المتغير بسرعة تلك الأرواح في نهاية المطاف؛ حيث شق الطاقم طريقه إلى أسفل الجبل إلى دخان كثيف قبل مواجهة حريق تحته؛ حيث احترقت أربعة أميال في 20 دقيقة. قاموا بنشر ملاجئهم المصنوعة على شكل خيام صغيرة مصنوعة من الألمنيوم، نصبوها على الأرض؛ حيث مرت النيران فوقهم وأصبحت الحرارة لا تطاق.

 يقول المؤلف: عندما تم العثور على الطاقم أخيراً بعد ساعة ونصف، أكد المسعف أولاً في مكان الحادث الوفيات. على الرغم من وجود نسبة ضئيلة من الوفيات الناجمة عن تغير المناخ بالفعل، فإن وفاة رجال الإطفاء ال19 هؤلاء كانوا مثالاً على أن أفراد الطبقة العاملة يعانون أسوأ نتائج تغير المناخ، سواء كانوا من العاملين في الخطوط الأمامية أو في المجتمعات التي يحمونها. في السنوات التي تلت ذلك، أصبحت مقاطع الفيديو اللافتة لحرائق الغابات في الولايات المتحدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي سمة سنوية في الصيف. كان السكان الذين نزحوا من منازلهم في كاليفورنيا يصورون وهم يقودون سياراتهم على طول الطرق السريعة المحاطة باللهب العظيم. الصور المروعة التي ترد في الأخبار على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع وتغريدات «تويتر» تؤكد حقيقة أن تغير المناخ يحدث الآن بآثار مدمرة وهو أمر لا مفر منه. كتب رجل إطفاء مجهول في كتاب «هذا ليس تمريناً» صادر عن مجموعة مدافعة عن المناخ يقول فيه: (لست عاطفياً بشأن حرق المباني، فقد اعتدنا على ذلك. ما هو مؤلم الطريقة التي تؤثر فيها النار على الناس: عندما يتم إخلاء الناس من منازلهم، يخافون ويطلب منهم ترك كل شيء وراءهم لأن الحريق وشيك. أرى الحيوانات النافقة، والخيول، وكلاب العائلة التي تُركت وراءنا. إذا كنتَ مليونيراً في ماليبو، يمكنك إعادة البناء. لكن مجتمعات مثل بارادايس [بلدة ابتلعتها النيران في ديسمبر 2018] هم في الغالب من كبار السن والمتقاعدين من الطبقة العاملة. لا يمكنهم تحمل تكاليف التعافي).

 منزلنا يحترق

 عندما حثّت الناشطة السويدية غريتا ثانبيرغ القادة على التصرف مع عبارة «منزلنا يحترق»، فإن هذا ينطبق حرفياً على العديد من أفراد الطبقة العاملة في جميع أنحاء العالم. تحترق ممتلكاتهم ومنازلهم ومجتمعاتهم بسبب تغير المناخ. بعض الناس يفقدون كل شيء. رجال الإطفاء في الصفوف الأمامية يعانون ويشاهدون بشكل مباشر صدمة تغير المناخ، ولكن ليس فقط الحرائق هي التي تحدث هذا التأثير. 

 أظهرت دراسة أجرتها الباحثة تاما كارلتون أن التغيرات المدمرة للمحاصيل في درجات الحرارة أدت إلى زيادة معدلات الانتحار بين مزارعي الهند. عندما ترتفع درجات الحرارة، تكون المحاصيل أقل نجاحاً. هذا يعني أن المزارعين لا يكسبون نفس القدر من المال ويصبحون محاصرين في دورات الديون. في عام 2019، ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) قصة مالابا، وهو مزارع في ولاية أندرا براديش. ذات يوم في أغسطس 2018، غادر مالابا منزله ل«شراء البقالة»، لكنه في الواقع ذهب إلى المدينة لشراء كل الأشياء الضرورية لجنازته قبل أن يودي بحياته بسبب دين قيمته 285 ألف روبية (حوالي أربعة آلاف دولار) للبنوك. كان لدى مالابا مزرعة فول سوداني دمرها الجفاف وتفاقمت ديونه بسبب انخفاض أسعار المحاصيل. يعلق المؤلف هنا: «مالابا مجرد مثال على 59300 حالة انتحار قام بها مزارعون هنود منذ عام 1980. مع ارتفاع درجات الحرارة وتغير البيئات بشكل أسرع من قدرة السكان على التكيف، تدمر الحياة. الشيء المذهل في قصة مالابا هو أن انتحاره لم يولد من لحظة يأس. الوقت الذي يستغرقه لترتيب جنازته يثبت أن هذا كان اختياراً مدروساً عندما لم تترك الرأسمالية- الاستعمارية أي خيار آخر».

 ويرى أن «الآثار النفسية للديون فردية في الغالب. غالباً ما يقع عليك وحدك التوتر والقلق والاكتئاب بسبب المديونية الكبيرة. يجعلونك تشعر بالعزلة والعجز. يمكن أن تكون قاتلة. في حالة إعصار ماريا في عام 2017، تم الشعور بآثار تغير المناخ بشكل جماعي. يصف كتاب نعومي كلاين «الصراع لأجل الفردوس» كيف تم تنظيم سكان بورتوريكو رداً على الدمار الذي خلفته أسوأ عاصفة تضرب المنطقة على الإطلاق. يكتب كلاين عن شهور بدون كهرباء ومياه، والضحايا مقطوعون عن بقية الجزيرة بسبب الطرق المسدودة نتيجة الأشجار المتساقطة، والأشخاص الذين يعيشون بواسطة مصباح يدوي ويعتمدون على المعونة الغذائية من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ. قراءة الدمار الموصوف بالكلمات وحدها لا تكفي لفهم ما حدث في بورتوريكو. تماماً كما كان لتلك المشاهد التي تصور ألسنة اللهب التي اجتاحت الطرق السريعة في كاليفورنيا مثل هذا التأثير الفيروسي، فإن رؤية صور تداعيات إعصار ماريا تأخذك خطوة أقرب إلى فهم الغضب الذي يمكن أن يسببه تغير المناخ. أكثر الصور عمقاً هي تلك الخاصة بالطرق التي لم يتم إغلاقها فحسب؛ بل أصبحت ممزقة إلى أشلاء كما لو كانت أضراراً جانبية لمشهد قتال للأبطال الخارقين.

 في النهاية يرى المؤلف أن أزمة المناخ تقدم لنا فرصة لتجاوز الرأسمالية نحو طريقة جديدة لتنظيم الاقتصاد، قائلاً: «إذا كان اقتصادنا مملوكاً ومسيطراً عليه بشكل ديمقراطي من جانب العمال والعامة، فإن قطاعات مثل الطاقة والمياه والنقل والإسكان والغذاء والرعاية الصحية والاجتماعية والتعليم والتصنيع يمكن أن تدار جميعها لصالح المجتمع، وليس لأجل أرباح المساهمين. معاً يمكننا إدارة الانتقال إلى مجتمع خالٍ من الكربون بسرعة وعدالة. يمكننا تكييف مجتمعنا واقتصادنا بشكل عادل مع التغيرات المناخية الشديدة التي لا مفر منها الآن. إذا ضمنا أجراً معيشياً حقيقياً لجميع العمال، وتعليماً مجانياً من المهد إلى اللحد، وغذاء مضموناً كحق من حقوق الإنسان، وسكة حديدية عالية السرعة تربط المدن عبر الحدود، وخدمات الطوارئ ذات الموارد الجيدة والتأمين الجماعي للكوارث، فسنبني مجتمعاً كريماً ومزدهراً هدفه احترام الحدود البيئية وحقوق الإنسان على مستوى العالم».

 ليس سهلاً.. لكنه ممكن 

 مع قدرة الناس على العمل من أجل مصالحهم الخاصة، فقد يقاومون الدول والشركات الأجنبية التي تستغل مواردها الطبيعية، وتنهب أراضيهم، وتدمّر بيئاتهم. هذه الرؤية ليست في الحقيقة رؤية راديكالية. من الضروري التغلب على أزمة المناخ. لن يكون بناء هذا العالم من أعماق دافع الموت للرأسمالية أمراً سهلاً، لكنه ممكن. كل رؤية سياسية تحتاج إلى استراتيجية لجعلها كذلك.

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
دانيال إس ماركي
2
جيورجوس تشارالمبوس
1
سيفيرين أوتيسير
1
نيكول ويجنر وميجان ماكنزي

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
بول هونج، ويونغ وون بارك
2
جون لوف
1
أندرو كوكبيرن
2
بول روجرز
1
كلوديا زونيغا، ويلسون لوبيز، وجوديث جيبونز وباتريسيو كومسيل.
1
جورجيو أغامبين
1
ميغان أ.كارني