سوريا والحاضنة العربية

00:18 صباحا
قراءة 3 دقائق

كمال بالهادي

بعد التطورات الأخيرة الخاصة بالعلاقات العربية مع سوريا، يمكننا القول إن عودة سوريا إلى الحاضنة العربية، باتت على مرمى حجر، فلا بد من أن تكون هناك مراجعات حقيقية بشأن تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية منذ عام 2011، من خلال القرار الوزاري الذي اتخذه مجلس الوزراء العرب في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني، سنة 2011. فالقرار كان خاطئاً بكل المقاييس، وكان تحت ضغوط أمريكية وغربية، وجاء في إطار سياق تاريخي كان يعتقد أنه سيفسح المجال لسيطرة «الإخوان» على مفاصل الحكم في كل الدول العربية، و هذا ما كانت تحضر له القوى التي تدخلت في الدول العربية، ومن بينها دولة عربية، ودولة إقليمية هي تركيا.

ولكن السياق تغيّر، والمشروع «الإخواني» انتهى إلى غير رجعة، وحتى الدول التي دعمته تعيد رسم حساباتها من أجل تطبيع علاقاتها مع الدول التي أساءت لها، ونأخذ على سبيل المثال المحاولات التركية لإذابة الجليد مع مصر، ورغبة أنقرة في إعادة علاقاتها الطبيعية مع القاهرة.

ضمن هذا السياق، يأتي التواصل الأخير بين عدد من القادة العرب والرئيس السوري، ليكون خطوة جريئة في إعادة العلاقات مع سوريا، خصوصاً أن دولة الإمارات كانت أخذت المبادرة، وقفزت على كل الحسابات الضيقة، رافعة راية الأخوّة العربية والقيم الإنسانية النبيلة فوق كل اعتبار، وأعادت فتح سفارتها في دمشق منذ ديسمبر/ كانون الأول 2018. ومن الطبيعي أن تكون هذه الاتصالات مهمة جداً في إعادة الروح لعلاقات دمشق مع القادة العرب، وسوف تتبعها اتصالات أخرى بين الرئيس السوري وعدد من القادة. وهذا هو الوضع الطبيعي والحقيقي للعلاقات بين سوريا والمحيط العربي.

ولنذكّر أن سنة 2021، كانت حافلة بهذا التقارب العربي السوري، فقد التقى رئيس جهاز الاستخبارات السعودي بنظيره السوري في دمشق، في شهر مايو/ أيار الماضي، وازدادت الرؤية وضوحاً خلال الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، عندما اجتمع وزير الخارجية السوري فيصل المقداد بنظيريه التونسي عثمان الجرندي، والمصري سامح شكري، في خطوة هي الأولى من نوعها منذ سنوات، وكذلك استقبل رئيس هيئة الأركان الأردني اللواء يوسف الحنيطي، في عمان وزير الدفاع رئيس أركان الجيش السوري العماد علي أيوب.

المتغيّرات الجارية في المنطقة وسقوط المشروع الإخواني المدمّر، وتراجع حدة التدخل الدولي في المنطقة وعودة الروح لمشروع الدولة الوطنية الحداثية، كلها أوراق قوة يمكن استثمارها لترتيب عودة سوريا للحاضنة العربية، ولإعادة تشبيكها اقتصادياً في المحيط العربي، خاصة أن البلد يعاني آثار عشر سنوات من الحرب، والتخريب، وهو مستعد لفتح الأبواب أمام الاستثمارات العربية، من أجل المساهمة في إعادة البناء والإعمار.

وثمة نقطة شديدة الأهمية في عودة سوريا لموقعها الطبيعي في البيت العربي، وهي المشكلة اللبنانية، والأطراف المستفيدة ما يحدث في هاتين الدولتين هي تركيا وإيران وإسرائيل. وإذا رغب العرب في ضرب عصفورين بحجر واحد فلا سبيل لهم سوى العبور من بوابة دمشق، ذات التأثير الفعلي والمباشر في الملف اللبناني. ونحن على يقين أن إعادة ترميم الجبهة الشمالية للوطن العربي، ومراقبة تطور الوضع العراقي بعد نتائج الانتخابات الأخيرة، هي كلها خطوات لابد منها لإعادة الحياة للروح العربية.

لن تتأخر المصالحة العربية مع سوريا، لأن كل العوامل باتت جاهزة لتنفيذ تلك المصالحة، ولأن كل مسببات التوتر باتت من الماضي، ولأن دمشق نفسها مستعدة للمصالحة مع العرب رغم الجراح الغائرة التي تركتها تدخلات بعض الدول في الجسد السوري منذ 2011، بل إن بعض هذه الدول ما زالت تصر على إيذاء سوريا لفائدة مشروع يعرف الجميع أنّه لا ينتج إلا الخراب. سوريا باتت على أبواب أبوظبي والقاهرة والرياض وعمّان والجزائر وبغداد وتونس، ولن تتردد بقية العواصم العربية في الالتحاق بالرّكب، ركب المصالحة.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/23wjeudj