إكسبو 2020 دبي: علاء الدين محمود
لقد كانت حركة الأدب والفنون تقف دائماً موقفاً مختلفاً، وتشير دائماً إلى الطريق الصحيح الذي ينتمي إلى الإنسان وحقوقه، عبر الكثير من الأعمال والنصوص التي كانت بمثابة رؤية تتنبأ بمستقبل أفضل للبشرية، ورأينا كيف أن حركات الفنون من خلال المنصات البيناليات، كانت تمثل ترياقاً ضد ثقافة الهيمنة والاستهلاك وتشظي الإنسان، وتدعو إلى السلام العالمي، وتعلي من قيم التسامح والخير، وتدعو لأن يكون الحوار بديلاً للصراع في العلاقات بين الدول، وذلك الأمر ينسجم تماماً مع رؤية معرض إكسبو دبي 2020، والذي رفع من قيمة الأدب والفنون والفكر، وانحاز لإرادة العيش المشترك، والمستقبل الذي يشكل ملاذاً أمناً للبشرية من خلال شعار «تواصل العقول وصنع المستقبل»، حيث تسارعت أجنحة الدول المختلفة إلى تمثله وصنع ثقافية وإبداعية تعبر عنه وتنتمي إليه من خلال ممارسات فنية في مجالات مختلفة، ترفع من قيمة التواصل بين الأفكار المختلفة والمتباينة، وتدعو إلى مستقبل زاخر لأجل البشرية، ولعل العبقرية الفنية، فيما يتعلق بشعار المعرض، قد تجلت في تصميم قطعة فنية نادرة من الذهب الخالص، في شكل دائري يرمز إلى الوحدة الإنسانية وضرورة التعارف، تلك التي تم العثور عليها في منطقة «المرموم»، والتي أصبحت شعاراً عالمياً، وبالإضافة إلى كونها تكتسب أهميتها ورمزيتها من كونها قطعة أثرية تنتمي إلى زمن سحيق وتعبر عن حضارة إماراتية قديمة، فهي بذلك تشير إلى ضرورة التعاون بين الشعوب والأمم وتوظيف التراث من أجل الحداثة، والماضي من أجل الحاضر والمستقبل.
أفكار
وقد سعت الأجنحة أيضاً إلى تمثل الأفكار الرئيسية في المعرض مثل «التنقل»، وهي الفكرة التي تشير إلى الحرية قبل كل شيء، وحق الإنسان في أن يرحل من أي مكان لآخر من أجل الاكتشاف والسياحة والترويح عن النفس والتعرف إلى شعوب جديدة وثقافات مختلفة، وكذلك تعبر عن حلم الإنسان المستمر باجتياز حدود الأرض صوب الفضاء المتسع، ويظل المعنى الأساسي وراء فكرة «التنقل»، هو التقارب بين الإنسان وأخيه الإنسان في كل مكان، وبين الشعوب المختلفة، والثقافات المتعددة، من أجل التقدم البشري، وتشييد مجتمع عالمي متناغم يتم فيه تبادل المعلومات والأفكار، مثلما كان يتبادل البضائع، وذلك في أسرع من أي وقت مضى، وتتضمن الفكرة نفسها ضرورة الابتكار والإبداع في وسائل النقل والاتصالات، بالتالي فإن «التنقل»، هو من الأفكار التي تشكل إحدى دعائم العالم الجديد.
ولعل واحدة من أكثر الرؤى إبداعاً، تلك الفكرة الأخرى التي طرحها المعرض وهي المتمثلة في الاستدامة؛ التنمية العالمية المستدامة، وهي من القضايا المهمة والتي تلح بشدة على كل المحافل التي تتناول مستقبل البشرية لكونها متعلقة بالإنسان وبيئته الطبيعية وضرورة الحفاظ عليها ضد التوظيف والاستخدام الجائر الذي يكشف عن طبيعة وحشية متبقية داخل الإنسان، رغم الحداثة والتطور، ولابد من تهذيبها ولجمها عبر الوعي بضرورة الاهتمام بالمجال الحيوي المحيط، لأن ذلك هو السبيل الوحيد لبقاء الحياة، بالتالي هي قضية شديدة الحساسية ولا تقبل التأجيل، وهي ذات علاقة كبيرة بالسلوك الإنساني والعادات اليومية، وذلك يتطلب الكثير من العمل وبذل المزيد من الوعي الجديد حول كيفية التعامل مع ما يحفظ الطبيعة والحياة البشرية، وذلك الأمر وجد اهتماماً كبيراً من الدول المشاركة، حيث عملت، عبر أجنحتها، على تقديم إبداعات وعروض مسرحية وموسيقية وأنشطة فكرية وأدبية مختلفة، تتمثل فكرة الاستدامة، وتكشف عن رؤى جمالية تحض على ضرورة التفكير في مستقبل آمن للبشرية، وتنتقد العادات والتقاليد البشرية البالية غير المتصالحة مع مفهوم البيئة النظيفة، وهي إلى جانب ذلك تقدم الوعي وتحرض على التفكير الخلاق المبدع.
وهنالك أيضاً فكرة لا تقل عبقرية عن الرؤى المطروحة وهي فكرة «الفرص»، والتي تشير إلى طرق جديدة من أجل تحقيق النمو الاقتصادي، وذلك في أعقاب الأزمة المالية العالمية، ومع انضمام المزيد من الدول الناشئة إلى الاقتصاد العالمي، تبدو الحاجة ملحةً إلى نماذج عالمية جديدة لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، مما يجعل من إكسبو دبي، منصة مميزة لتكريس نماذج جديدة لتدفق المقدرات المالية والفكرية الكفيلة بتعزيز روح ريادة الأعمال والابتكار، وتبادل الرؤى والأفكار، وكذلك التركيز على اكتشاف سبل الترابط وتحديد الشراكات المحتملة، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى إنتاج إرث من الابتكارات الجديدة، ويبدو واضحاً أن مفهوم «الفرص»، لا يقف فقط عند حدود توظيفه الاقتصادي المحض، بل يشمل ذلك كل ما من شأنه أن يصب في اتجاه تعزيز العلاقات والتقارب بين الشعوب، عبر منظومة مختلفة وجديدة من الأفكار التي تستهدف إيجاد آلية تسهم في عملية التقارب وفتح حوارات تخدم تلك الأفكار، وذلك ما عبرت عنه رؤى إبداعية عبر أعمال فنية وفكرية ضمن أنشطة المعرض.
المتعة والمعنى
لقد اشتملت أجنحة الدول المشاركة في معرض إكسبو دبي، على كثير من الأنشطة الثقافية والفكرية والممارسات الفنية والإبداعية، منها ما جاء من أجل المتعة بمفاهيم مختلفة تنظر إلى الترفيه من زاوية كونه مفهوماً أساسياً وليس مجرد ترف إبداعي، فالفن ليس من الضروري أن يحتوي على رسالة وحمولة فكرية، بل من أجل خدمة الإنسان ومتعته في كل الأحوال والأوقات، فالترفيه والترويح عن النفس هي كذلك أشياء ضرورية للإنسان، وليس هناك ما هو أسمى من رسم الدهشة والبسمة على وجوه المشاهدين، فتلك تبدو غاية في ذاتها، فتحقيق السعادة هو أمر مهم وهنالك الكثير من الرؤى الفكرية والفلسفية حول تعزيز فكرة السعادة والنظر إليها برؤية جديدة، ومن أجل ترسيخ ذلك الأمر تضمنت الفعاليات العديد من الأنشطة الترفيهية التي تملأ الوجدان بالمحبة والجمال والخير، وإلى جانب ذلك كانت هناك أنشطة وعروض وفعاليات تتضمن الأفكار والمعاني فهي بمثابة رسالة تبشر بالقيم الجديدة، وتتمثل المفاهيم والرؤى والشعارات التي رفعها المعرض، فهناك ممارسات عبرت عن أفكار «الاستدامة»، و«التنقل» و«الفرص»، وهناك مفاهيم أخرى طرحتها تلك العروض، تقدم كل جديد من شأنه أن يصب في مصلحة البشرية من مفاهيم وعادات جديدة تحرض البشرية على السير في طريق جديد عامر بالمحبة ويدعو للسلام والتسامح، من أجل القطع مع ماضي الخلافات والتشظي والحروب وهزيمة المفاهيم والرؤى القديمة التي ساهمت في عزلة البشرية عن بعضها، وزادت في حدة الانقسام بين الدول والأمم والشعوب، فهي بمثابة دعوة تعزز من قيمة التلاحم والتوحد والعمل المشترك من أجل المستقبل، وكذلك فقد اشتملت تلك الأنشطة الثقافية على أعمال وعروض تنبش في الماضي، وتخاطب التراث الإنساني لتنتقي أفضل ما فيه من قيم تعبر عن روح الوحدة والتلاحم بين الأمم.
ممارسات فنية
وقد تباينت العروض والأنشطة المتعددة، وإن كان قد غلب عليها الإبداع الفني في مجالات العمارة التي تستلهم قيماً تدعو للتصالح من البيئة وتشكيل رؤى جديدة حولها، بحيث تصبح الأبنية المستقبلية في مجالات السكن والعمل تستخدم المواد الطبيعية التي لا تعكر صفو المناخ ولا تقود إلى تدمير الحياة، وقد حرص المنظمون على أن تُصمم أجنحة الدول المشاركة بطريقة تجعلها خاضعة لمعايير الاستدامة، لتكون نموذجاً لمدينة المستقبل، وقد تنافس أهل الفن من المعماريين في التعبير عن رؤاهم الجمالية والفكرية في تصميم أجنحة غاية في الإبداع ومحملة بأفكار ورؤى بصرية عميقة وملهمة، ليعلنوا عن عمارة جديدة تقطع مع التقليدية.
وهناك أيضاً الفنون التشكيلية والرسم والنحت، وتجلت العبقرية في أن الأجنحة نفسها مفردات تشكيلية بارعة الجمال والأناقة، إضافة إلى لوحات ورسومات تحمل، إلى جانب المضامين الجمالية، أخرى فكرية تسهم في تعزيز رسالة المعرض وأفكاره وشعاراته، وقد بذل التشكيليون الكثير من الأعمال التي تعبر عن رؤية جديدة للعالم على مستوى العلاقات بين البشر والثقافات المختلفة، بل وقدموا أيضاً طرقاً مبتكرة في الرسم عبر أدوات جديدة، فعلى سبيل المثال، قام جناح النمسا بعرض لوحة إبداعية تُرسم بطريقة غريبة ومختلفة وساحرة، وذلك من خلال أجهزة استشعار صُممت من أجل قراءة دقات قلب الزائر عندما يضع يده في أماكن محددة حول اللوحة، وقد أطلق على ذلك العمل الفني البديع اسم «نبض قلب النمسا»، ولأن اللوحة تستمد تفاصيلها من خلال قلوب الزوار، فإن معدل نبض كل واحد يختلف عن الثاني، مما يمنح اللوحة قراءة مختلفة، تتم ترجمتها من خلال حلقات دائرة تسمى «حلقات الحياة».
وكانت المتعة حاضرة أيضاً في جناح دولة الكويت عبر إبداعات الفنان التشكيلي سليمان العنزي الذي قدم أعمالاً وتقنية مميزة للرسم باستخدام الضوء والرمل بمصاحبة الموسيقى، ومن أجمل تلك الأعمال التي قدمها العنزي ووجدت قبولاً كبيراً من قبل الزوار، تلك اللوحة التي صممها باستخدام الضوء لتحكي قصة «مسبار الأمل» الذي أطلقته الإمارات في ال20 من يوليو من العام الماضي، كأول مهمة فضائية عربية لاستكشاف كوكب المريخ والحقيقة أن هناك العديد من الأجنحة التي قدمت لوحات وعروضاً فنية عبر توظيف التكنولوجيا، معلنة بذلك عن أفكار جديدة وثورة في مضمار الفنون، مما يشير إلى أن مستقبل الإبداع حافل بالممارسات والرؤى الجديدة.
قضايا
الموسيقى كانت هي الفن الأكثر حضوراً في المعرض، عبر مهرجانات للأنواع الموسيقية الشهيرة، وحفلات لفنانين عالميين كبار، وسهرات تضم الجميع، فما يميز الموسيقى أنها الفن الذي لا يحتاج إلى ترجمة، وهي بذلك تظل خالدة فهي فن الماضي والحاضر والمستقبل، فالحفلات والمهرجانات الموسيقية عبرت عن ثقافات مختلفة من كل أنحاء العالم، ومجتمعات ربما لا يعرفها الكثيرون خاصة تلك الأصوات الموسيقية القادمة من قارة إفريقيا، وبعض دول أمريكا اللاتينية، المفعمة بالسحر والإبداع والجمال، وهنالك حفل جذب الجماهير من مختلف منابعهم، وهو حفل «إيقاعات إكسبو»، الزاخر بالألوان والإبداعات التي تعبر عن ثقافات عديدة حول العالم، وكان كثير من الفنانين والفرق الموسيقية قد عملوا على استلهام أفكار ومواضيع المعرض التي تبشر بعالم جديد، وبعضهم قد عمل على التعبير عن قضايا راهنة تشكل معضلة تنتظر حلها والتداول حولها مثل قضية المرأة، في سياق بحث عن أنماط جديدة مفارقة للقديم، مثلما فعلت المايسترو الإيطالية «جيوفانا فيرارا»، التي صممت مقطع فيديو من أجل قضية المرأة حمل عنوان «مريديام.. موسيقى المساواة»، وهو بمثابة موسيقى تصويرية لتمثيل نساء العالم في المعرض العالمي.
قيم جديدة
كان الأدب ظل حاضراً في إكسبو دبي، عبر ممارسات عديدة، فهناك بعض الدول التي قدمت فقرات سردية تتمثل أفكار ومفاهيم المعرض، بينما عملت بلدان إفريقية على استدعاء ممارسات سردية وشعرية قديمة تتحدث عن الحاضر والمستقبل، وقدم المعرض أفضل هدية للقراءة في العطلات، بنشر مجموعة «قصص أطفال من أنحاء العالم»، التي تضم 68 من الروايات التراثية والقصص الشعبية للأطفال من دول متنوعة في قارات العالم الست، ولأن الأدب سباق في التنبؤ بمستقبل جديد للبشرية فهو مدعو كذلك لاستلهام القيم الجديدة التي عبرت عنها العروض والأنشطة في إكسبو دبي.