عادي

«قمم البيئة».. هل تنقذ الكوكب؟

23:25 مساء
قراءة 4 دقائق

كتب - بنيمين زرزور:
تنتعش الآمال المعلقة على قمة العشرين ومؤتمر «كوب 26» في تحسين وتيرة التحرك العملي لحماية الكوكب، ليس فقط بسبب صيحات التحذير من كارثة تهدد الأرض؛ بل لأن جهود مواجهة كارثة «كورونا» ووتيرة التعاون والتنسيق التي سادت خلال معالجتها، منحت العالم شعوراً كان مفقوداً بالتفاؤل حيال عودة التنسيق بعد القطيعة التي نتجت عن سياسات بعض الدول سابقاً.

هناك تفاؤل متزايد بأن تكون قمة العشرين التي انعقدت في روما مطلع الأسبوع، وقمة المناخ التي انطلقت بعدها في جلاسكو ببريطانيا، محطة مختلفة في السعي إلى تحقيق النتائج المرجوة على صعيد التحرك العملي لحماية البيئة، خاصة مع تعزيز التعاون بين الأطراف في مؤتمر باريس، بما يفضي إلى خطوات جدية بدأت تظهر بوادرها في إعلان عدد من الدول التزامها بالحياد الصفري في تواريخ محددة قبل منتصف القرن، في إطار ضبط معدل ارتفاع حرارة الأرض عند 1.5 درجة مئوية قياساً على ما قبل الثورة الصناعية انسجاماً مع قرارات مؤتمر باريس 2015.

لكن ذلك لا يعني أن الطريق مفروشة بالورود. صحيح أن مؤتمر الأمم المتحدة في جلاسكو يحظى باهتمام واسع تجلى في التزام أكثر من 130 دولة بوضع خطط معززة بالأرقام والتواريخ لتحقيق الحياد الصفري، ورصد بعضها سواء كان من الدول المتقدمة أو النامية، ميزانيات خاصة لتحقيق ذلك الهدف، إلا أن المتغيرات التي تطرأ على الصعد السياسية والاقتصادية، تمثل التهديد الأهم لتك الخطط.

وتتجلى ظواهر انعدام المساواة والفوضى العملية في كامل الصورة؛ من حيث تنفيذ توصيات مؤتمر باريس؛ حيث لا تزال عشر دول مسؤولة عن نفث 65% من إجمالي الغازات السلبية، تتقدمها الصين والولايات المتحدة ثم الاتحاد الأوروبي، بمجموع يزيد على 45%، لم تلتزم بتعهداتها.

عدم التزام

وتغيب الصين التي تأتي في المرتبة الأولى عالمياً من حيث المسؤولية عن انبعاث الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، عن أعمال المؤتمر في شخص رئيسها. ويخشى المراقبون من أن تعجز بكين، التي عانت مؤخراً انقطاع الكهرباء في عدد من مدنها بسبب نقص التوليد الناتج عن تشديد القيود على الفحم، من الالتزام بما قطعه الرئيس شي جي بينج من وعود بتحقيق الحياد الصفري عام 2060.

أما الولايات المتحدة التي أبدت حماساً كبيراً لحماية البيئة بعد فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية ومسارعته لتعيين وزير مفوض للبيئة ممثلاً في شخص جون كيري، فتحول الصراعات السياسية الداخلية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي وتضارب مصالح صنّاع القرار دون الالتزام بسياسة ثابتة فيما يخص خفض انبعاث الغازات في القطاع الصناعي.

وفي حال استمرت كل دولة في حماية مصالحها الخاصة على حساب قضية المناخ وانعكست تلك السياسات على السوق العالمية، فسيكون ذلك ضربة مدمرة للاقتصادات الكبرى خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان والصين، وسوف تنهار حتماً استراتيجيات هذه البلدان في جعل الطاقات المتجددة جوهر نموها الاقتصادي.

مخاطر متوقعة

وفي حال عجزت قمة «كوب 26» عن تحقيق الحد الأدنى من الآمال المعلقة عليها فذلك يعني مزيداً من التدهور البيئي والتنافس على استنزاف موارد الأرض وتعريض مستقبل أجيالها للخطر. وتعد الفيضانات الكارثية الأخيرة في آسيا وأوروبا الغربية، ودرجات الحرارة القياسية في أمريكا الشمالية، وحرائق الغابات المستعرة في جنوب أوروبا، تأكيداً بأنه لا يوجد بلد آمن وأن المستقبل رهن بيد الجميع.

ففي المنظور العلمي حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن هناك احتمالاً بنسبة 40% أن يتجاوز المتوسط ​​السنوي لدرجة الحرارة العالمية 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل عصر الصناعة، على الأقل مؤقتاً، وتستمر الاحتمالات في الارتفاع؛ بحيث يمكن أن يؤدي ذلك إلى نقاط تحول كارثية محتملة.

من جانبها، تكشف تقارير الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ عن وضوح متزايد في حجم المخاطر وهو ما أكده التقرير الأخير المقدم لقمة «كوب 26». ويبدو أننا نتجه نحو ارتفاع قدره 3 درجات مئوية بحلول عام 2100.

ومع ذلك، فإن خريطة الطريق التي لا تلتزم بها بعض الدول قد لا تفضي إلى نتائج ملموسة. ولكي تقودنا اتفاقية باريس للمناخ إلى التحول الضروري، يجب على جميع الدول أن تتعاون في تنفيذها. وهذا يعني الوفاء بالتزاماتهم الفردية والعمل على خفض انبعاثات الكربون بنسبة 45% بحلول عام 2030، وتحقيق صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050. هذا هو الجدول الزمني الذي توصي به الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ للبقاء دون عتبة 1.5 درجة مئوية.

صحيح أن هذا يتطلب وقتاً طويلاً، ولكن هناك ما يعزز الاعتقاد بأن العالم قادر على تحقيق ذلك. فعلى سبيل المثال، كانت الدورات الافتراضية الأخيرة للهيئات الفرعية لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، مشجعة جداً. فقد شارك المندوبون بشكل فعّال في مجموعة واسعة من الموضوعات الحاسمة، وبينما ظل الاتفاق على العديد من القضايا الرئيسية بعيد المنال، تم إحراز بعض التقدم.

وهنا ينبغي أن يحرص القادة على ثلاث قضايا مفصلية في التحرك العملي نحو حماية الكوكب.

* أولاً، يجب الوفاء بالوعود الماضية. يُعد إثبات الوفاء بالالتزامات التي تم التعهد بها حتى عام 2020 أمراً ضرورياً لبناء الثقة بين البلدان. وهذا يشمل جمع 100 مليار دولار أمريكي سنوياً لمساعدة الاقتصادات النامية في التحول الأخضر.

* ثانياً، يجب حل الخلافات العالقة حول أبرز القضايا التي تشمل التمويل والشفافية والتكيف والمرونة والخسائر والأضرار والدعم الفني للبلدان النامية، حتى يمكن تنفيذ اتفاقية باريس بشأن المناخ بشكل كامل.

* ثالثاً، يجب رفع سقف الطموحات وتأكيد التزام الدول ببذل المزيد في المجالات الرئيسية الثلاثة لجدول أعمال المناخ وهي: التخفيف والتكيف والتمويل.

وأخيراً، لا بد من الاعتراف بأن تغيرات المناخ على فداحتها ليست حتمية في حال أمكن نبذ الخلافات وتنسيق السياسات. وهذا كفيل بوضع القدم على المسار الصحيح والوصول إلى الهدف الذي يضمن سلامة الكوكب، وتوفير فرص العيش الآمن للأجيال المقبلة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"