عادي

ليبيا تنتظر إخراج المرتزقة

23:19 مساء
قراءة 4 دقائق

د. محمد فراج أبو النور *
الانتخابات الليبية المقررة في 24 ديسمبر/ كانون الأول المقبل لم يبق على موعدها إلا أقل من شهرين، ومع ذلك لا يزال الغموض يحيط بمصيرها. يحدث ذلك على الرغم من النص على موعد الانتخابات في خريطة الطريق وتأكيدها في قرار مجلس الأمن الدولي إبريل/ نيسان2021، ثم في مقررات مؤتمر (برلين 2) في يونيو/ حزيران الماضي، ثم في مقررات «مؤتمر استقرار ليبيا» منذ أقل من أسبوعين 21 أكتوبر/تشرين الأول.

بالرغم من تأكيد زعماء الدول الكبرى، والأطراف الإقليمية، وأغلب الأطراف الليبية ومسؤولي الأمم المتحدة، على ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها، بل وعلى الرغم من إعلان المفوضية الليبية العليا للانتخابات عن البدء في قبول أوراق الترشيح للانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلال النصف الأول من شهر نوفمبر الجاري، إلا أن مواقف وإجراءات ووقائع كثيرة متناقضة، وخاصة في طرابلس ومدن الغرب الليبي تعود فتلقي بظلال كثيفة من الغموض والشك على مصير الانتخابات، وعلى سبيل المثال فإن «المجلس الأعلى للدولة» الممثل لتيار الإسلام السياسي لا يزال مصّراً على رفض قانوني الانتخابات الرئاسية والبرلمانية اللذين أقرهما مجلس النواب، بدعوى أنهما لم يعرضا عليه قبل إقرارهما، وذلك بالرغم من الطابع الاستشاري البحت ل«المجلس الأعلى»، بل وتقدم خالد المشري رئيس المجلس المذكور، ومعه عدد من قيادات «الإخوان» بطعن على القانونين أمام الدائرة الدستورية للمحكمة العليا، التي تلقت الأوراق، لكنها رفضت تسجيل القضية..

دعوات للتأجيل

ثم كان مفاجئاً للمراقبين أن يتقدم «عبدالله اللافي» نائب رئيس المجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي، باقتراح تأجيل الانتخابات لمدة ثلاثة أشهر، بدعوى إعداد «القاعدة الدستورية»، علماً بأن الأمم المتحدة والأطراف الدولية والإقليمية كلها تعترف بقانونية الانتخابات البرلمانية والرئاسية كقاعدة دستورية، وبأن «اللافي» ليس من حقه تقديم اقتراحه باسمه خارج إطار المجلس الرئاسي الانتقالي، ولم تؤيد موقفه سوى تركيا.

الأمم المتحدة.. والانتخابات

بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا بالرغم من تمسكها بموعد (24 ديسمبر) وقبولها للقانونين الصادرين عن البرلمان كقاعدة دستورية للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، إلا أنها طلبت من مجلس النواب إجراء تعديلات في القانونين، أولهما يتصل بقاعدة «التزامن» بحيث يتم إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية سوياً في 24 ديسمبر.. وكان القانون الصادر عن البرلمان ينص على إجراء الانتخابات الرئاسية في الموعد المذكور وتأجيل الانتخابات البرلمانية لمدة شهر، بخلاف ما نصت عليه خارطة الطريق.. وهو ما رفضته بعثة الأمم المتحدة وطلبت بتغييره والعودة للالتزام «بالتزامن» وفقاً لخارطة الطريق.

كما طالبت بعثة الأمم المتحدة ب«إزالة القيود المفروضة على المشاركة للسماح لليبيين الذين يشغلون مناصب عليا بفرصة تعليق مهامهم».

ومعلوم أن التعديل لابد أن يتم إجراؤه في أسرع وقت.. وتحديداً قبل فتح باب الترشح.

الانتخابات والفوضى الأمنية

يظل وجود القوات الأجنبية والمرتزقة والميليشيات الإرهابية والمناطقية والقبلية في طرابلس وغيرها من مدن المنطقة الغربية أكبر خطر يهدد إمكانية إجراء الانتخابات أصلاً، في ظل كل ما أشرنا إليه. كما يهدد إمكانية إجرائها بصورة نزيهة وشفافة وديمقراطية فعلاً، إذا قدر لها أن تجرى.

وإذا كانت الفوضى هي طابع الأوضاع في طرابلس ومدن الغرب عموماً طوال السنوات الماضية، فإنها تشهد تفاقماً شديداً منذ أشهر، وصل إلى حد الاشتباكات بين قوى الجيش والأمن، بل وبين وحدات محسوبة على الجيش وبين بعضها.

وعلى سبيل المثال فإن منزل عبدالباسط مروان «قائد منطقة طرابلس العسكرية» تعرض لهجوم من قوات «اللواء 444 قتال» ولكنه لم يكن موجوداً فيه، كما تلقى تهديدات بالقتل. كما أن قوات اللواء المذكور هاجمت «الكتيبة 55 مشاة» وحاولت اغتيال قائدها. ونشبت الاشتباكات المسلحة بصورة مستمرة بين وحدات ما يسمى «قوة دعم الاستقرار» و«جهاز الردع» التابعين للحكومة. كما قامت «ميليشيات النواصي» باقتحام مبنى وزارة الرياضة.. ولا تتوقف اشتباكات الميليشيات في طرابلس في إطار الصراع على النفوذ والمغانم. وما ذكرنا هو مجرد أمثلة لما تحفل به الصحف ونشرات الأخبار كل يوم.

فكيف يمكن إجراء انتخابات – فضلاً عن أن تكون نزيهة- في ظل وجود هذه الميليشيات (والقوى النظامية!) الخاضعة لقوى سياسية رافضة للانتخابات، وفي مقدمتها «الإخوان»؟

خطة اللجنة العسكرية.. وإمكانية تنفيذها

معروف أن اللجنة العسكرية (5+5) قد تشكلت بمقتضى اتفاقية جينيف (23 أكتوبر 2020)، وأنها تحظى باحترام كبير دولياً وإقليمياً لما يتسم به عملها من جدية واحترافية وكفاءة، وقد أعلنت اللجنة في اجتماعها في جينف يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول الماضي عن خطة لإخراج القوات الأجنبية والمرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا، وتفكيك الميليشيات ونزع سلاحها، على أن يحدث ذلك «بصورة متدرجة، ومتزامنة، ومتوازنة» في إطار جدول زمني مدته «تسعون يوماً».. وحضر توقيع الخطة مبعوث الأمم المتحدة وممثلو الدول الكبرى. كما تبنى «مؤتمر استقرار ليبيا» خطة اللجنة العسكرية.

لكن اللجنة تعرضت لانتقادات حادة من جانب السياسيين في طرابلس، الذين لم يبدوا استعداداً جدياً للتعاون معها

وواضح أن هناك حاجة ماسة لممارسة ضغوط أكثر حزماً من جانب الدول الكبرى على الأطراف المعنية لإنجاح خطة اللجنة العسكرية، وليس اقتصار الضغط في اتجاه إجراء الانتخابات في موعدها فحسب، لأن الانتخابات في ظل الظروف التي شرحناها لن تكون معبرة حقاً عن إرادة الشعب الليبي، إذا قدر لها أن تتم أصلاً.

* كاتب مصري

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"